وفيه وجوه أخر ذكرناها في الشرح الكبير، والله أعلم.
25 [فأمّا الكريم السّرّ في الطّيب نافع ... فذاك الّذى اختار المدينة منزلا]
شرع في ذكر البدور السبعة واحدا بعد واحد، وجرت عادة المصنفين في القراءات بذكرهم في أوّل مصنفاتهم وذكر طرف من أخبارهم والتعريف بهم، فمنهم من اختصر، ومنهم من أكثر وقد استقصينا ذلك في الشرح الكبير، وتقدم في خطبة هذا الكتاب ما يجزئ من ذلك، سوى ذكره وفياتهم فنأتى بها وبشرح ما نظمه الشاطبى من أحوالهم. وقد نظم لنافع في هذا البيت سرا كريما وهو ما ذكره [1] أبو عمرو الدانى رحمه الله في كتاب الإيجاز، وذكره أيضا شيخه أبو الحسن بن غلبون وأبو معشر الطبرى وغيرهم.
قالوا: كان نافع رحمه الله إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن أو يا أبا رويم أتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ فقال: ما أمس طيبا ولا أقرب طيبا، ولكنى رأيت فيما يرى النائم النبى صلّى الله عليه وسلم وهو يقرأ في فىّ، فمن ذلك الوقت يشم من فىّ هذه الرائحة فهذا هو السر الكريم لنافع في الطيب. والمراد بالكرم هنا: الشرف والنباهة والجلالة، ومنه قوله تعالى:
{ (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [2] ) .
والكريم في نظم الشاطبى مبتدأ والسر مضاف إليه، ويجوز رفعه ونصبه لأنه من باب: الحسن الوجه كما سبق ذكره في «أجذم العلا» وفى الطيب متعلق بالسر أو بالكريم، ونافع بدل من الكريم أو عطف بيان، والفاء في فذاك جواب «أما» لما في أما من معنى الشرط وما بعد الفاء جملة اسمية هى خبر المبتدإ. أثنى عليه في ضمن التعريف به بأنه اختار مدينة الرسول صلّى الله عليه وسلم منزلا له أقام بها في جوار رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى أن مات بها في سنة تسع وستين ومائة، وقيل غير ذلك، ومنزلا تمييز أو مفعول ثان على تضمين اختار معنى اتخذ، أو على حذف حرف الجر من الأول من باب قوله تعالى:
{ (وَاخْتََارَ مُوسى ََ قَوْمَهُ} [3] ) .
وقيل غير ذلك والله أعلم.
26 [وقالون عيسى ثمّ عثمان ورشهم ... بصحبته المجد الرّفيع تأثّلا]
ذكر اثنين من أصحابه وفاء بوعده وكلاهما أدركه.
أحدهما: أبو موسى عيسى بن ميناء المدنى ويلقب بقالون، وهى كلمة رومية، يقولون للجيد من الأشياء هو قالون، قيل لقبه نافع بذلك لجودة قراءته، وقيل لقبه بذلك مالك بن أنس، ومات سنة خمس ومائتين بالمدينة، وقيل غير ذلك.
والثانى عثمان بن سعيد المصرى الملقب بورش [4] لقبه بذلك نافع أيضا لبياضه وقيل فيه وجوه كثيرة ذكرناها في الشرح الكبير، ومات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة، وقالون في البيت مبتدأ ولم يصرفه، وإن كان قبل
(1) هو صاحب التيسير. ودانية: بلدة بالمغرب.
(2) سورة النور، آية: 26.
(3) سورة الأعراف، آية: 125.
(4) والورش: ضرب من الجبن اهـ.