وتأكلون التراث أكلا لما فوصف بالمصدر، وينبغى أن يقدر المضاف إليه كل نكرة، ليحسن وصفه بالنكرة ولا يقدر إضافته إلى معرفة، فيمتنع أن تكون لمّا وصفا له، ولا يجوز أن تكون حالا، لأنه لا شيء في الكلام عامل في الحال، قال: فإن قال: إن لما فيمن ثقل، إنما هى لمّا هذه، وقف عليها بالألف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، فذلك مما يجوز في الشعر. قال ابن جنى: معنى لما بالتنوين توفية جامعة لأعمالهم جمعا، ومحصلة لأعمالهم تحصيلا، فهو كقولك قياما لأقومنّ، وقعودا لأقعدنّ، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله: استعمال لما في هذا المعنى بعيد. وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد، قال: وقيل: لما فعلى من اللم، ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل مضى لما المنصرف، قال: وهذا أبعد، إذ لا تعرف لما فعلى بهذا
المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال، وهو خلاف الإجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم.
قلت: فهذه ثلاثة أوجه، وهى خمسة في المعنى، لأن الأول اختلف في تقديره على وجهين: لمن ما بكسر الميم وفتحها، وهذا الثالث اختلف في ألفه على وجهين: أحدهما أنها بدل من التنوين، والثانى أنها للتأنيث.
القول الرابع: قال الزجاج: وقال بعضهم قولا ولا يجوز غيره:
(إن لمّا) في معنى (إلّا) مثل:
{ (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا عَلَيْهََا حََافِظٌ} [1] ) .
ثم أتبع ذلك بكلام طويل مشكل، حاصله: أن معنى إن زيد لمنطلق: ما زيد إلا منطلق، فأجريت المشددة كذلك في هذا المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملها النصب في اسمها باق بحاله، مشدّدة ومخففة، والمعنى نفى بأن وإثبات باللام التى في معنى إلا، ولما، بمعنى إلا، قلت: قد تقدم إنكار أبى على جواز إلا في مثل هذا لموضع، فكيف يجوّز لما التى بمعناها، على أن من الأئمة من أنكر مجىء لمّا بمعنى إلا، قال أبو عبيد: أما من شدد لما يتأولها إلا فلم نجد هذا في كلام العرب، ومن قال هذا لزمه أن يقول: رأيت القوم لمّا أخاك، يريد إلا أخاك، وهو غير موجود. قال الفراء: وأما من جعل لما بمنزلة إلّا فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب مع اليمين: بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا، فأما في الاستثناء فلم تقله في شعر ولا غيره، ألا ترى أن ذلك لو حاز لسمعت في الكلام: ذهب الناس لمّا زيدا.
قالت: وقد ذكر ابن جنى وغيره أن إلا نقع زائدة، فلا بعد في أن تقع لما التى بمعناها زائدة، فهذا وجه آخر، فصارت الوجوه سبعة والصحيح في معنى لما المشددة في هذه السورة ما قاله الشيخ أبو عمرو رحمه الله في أماليه المفرقة على مواضع من القرآن وغيره، قال: لما هذه هى لما الجازمة له، حذف فعلها للدلالة عليه، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما، وسافرت ولما، ونحوه، وهو سائغ فصيح، فيكون المعنى:
وإن كلا لما يهملوا، ولما يتركوا، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين، كقول تعالى:
{ (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) } .
ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم، ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم قال: وما أعرف وجها أشبه من هذا، وإن كانت الناوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن، قال والتحقيق يأبى استبعاد ذلك، قلت: هذا وجه مليح ومعنى صحيح، والسكوت على لما دون فعلها قد نص عليه الزمخشرى في مفصله وأنشد ابن السكيت شاهدا على ذلك في كتاب معانى الشعر له:
فجئت قبورهم بدءا ولمّا ... فناديت القبور فلم يجبنه
وقال في معناه بدءا أى سيدا، وبدء القوم أى سيدهم، وبدء الجزور، خبر أنصبائها، قال: وقوله ولما، أى لم أكرم سيدا إلا حين ماتوا، فإنى سدت بعدهم، كما قال الآخر:
(1) سورة الطارق، آية: 4.