الأول قاله الفراء، وتبعه فيه جماعة، قال: أراد لمن ما، فلما اجتمع ثلاث ميمات حذف واحدة، فبقيت ثنتان، فأدغمت إحداهما في الأخرى كما قال الشاعر:
وإنى لما أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادر
قال نصر بن على الشيرازى: وصل من الجارة بما، فانقلبت النون أيضا ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت احديهن، فبقى لمّا بالتشديد، قال: وما هاهنا بمعنى: من، وهو اسم لجماعة الناس، كما قال تعالى:
{ (فَانْكِحُوا مََا طََابَ) } .
إلى من طاب، والمعنى: وإن كلا من الذين ليوفينهم ربك أعمالهم، أو من جماعة ليوفينهم ربك أعمالهم، قال المهدوى: حذفت الميم المكسورة، والتقدير لمن خلق ليوفينهم، وجوز أن يكون تقدير هذا الوجه:
لمن ما، بفتح الميم، وتكون اللام داخلة على من التى بمعنى الذى، وما بعدها زائدة.
قال: فقلبت النون ميما، وأدغمت في الميم التى بعدها، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهن، وهى المبدلة من النون، فقيل لما قلت، فقد صار لهذا الوجه الذى استنبطه الفراء تقديران، وسبق المهدوى إلى التقدير الثانى: أبو محمد مكى، وقال: التقدير: وإن كلا لخلق ليوفينهم ربك، قال: فيرجع إلى معنى القراءة الأولى التى بالتخفيف، وهذا هو الذى حكاه الزجاج، فقال: زعم بعض النحويين أن معناه لمن ما، ثم قلبت النون ميما، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى، قال: وهذا القول ليس بشيء، لأن من لا يجوز حذفها، لأنها اسم على حرفين وقال النحاس: قال أبو إسحاق: هذا خطأ، لأنه يحذف النون من من، فيبقى حرف واحد، وقال أبو على: إذا لم يقو الإدغام على تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو: قوم مالك، فأن لا يجوز الحذف أجدر، قال على: إن في هذه السورة ميمات اجتمعت في الإدغام أكثر مما كان يجتمع في لمن ما، ولم يحذف منها شيء، وذلك قوله:
{ (وَعَلى ََ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) } .
فإذا لم يحذف شيء من هذا، فأن لا يحذف ثم أجدر.
قلت: وما ذكره الفراء استنباط حسن، وهو قريب من قولهم فى:
{ (لََكِنَّا هُوَ اللََّهُ رَبِّي} [1] ) .
أصله: لكن أنا، تم حذفت الهمزة وأدغمت النون في النون، وكذا قولهم أما أنت منطلقا انطلقت، قالوا المعنى لأن كنت منطلقا، وما أحسن ما استخرج الشاهد من البيت الذى أنشده، واجتمع في أمم ممن معك ثمانى ميمات، خمس ظاهرة، والتنوين في أمم، والنون من ممن، كلاهما تقلب ميما وتدغم في الميم بعده، على ما تمهد في بابهما في الأصول، ثم إن القراء أراد أن يجمع بين قراءتى التخفيف والتشديد من لمّا في معنى واحد فقال: ثم يخفف كما قرأ بعض القراء:
{ (وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ) } .
(1) سورة الكهف، الآية: 38.