فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 791

وما أحلى قوله «فقيه المعانى» : يعنى من أعطاه الله فهما وفقها في معانى القرآن العزيز فهذا هو الذى يحتقر الدنيا عند تلاوته لهذه الآية ونظائرها، لا الفقيه الذى هو أسير الذوائب المتقيد بلباسه وخدمة أهل الدنيا ففقيه المعانى محرر عن رق الأشياء. ويحتمل قوله هو الحر معانى أخر ذكرناها في الكبير والحرىّ بمعنى الحقيق. والحوارى الناصر الخالص في ولائه والياء مشدّدة خففها ضرورة، والتحرى القصد مع فكر وتدبر واجتهاد: أى يطلب هو الأحرى، والهاء في «له» للقرآن العزيز، وفى تحريه للقارئ أو للقرآن وحواريا خبر لكان بعد خبر أو حال من ضمير الحرى العائد على القارئ. ويجوز أن يكون بتحريه متعلقا بحواريا: أى ناصرا له بالتحرى، أو تكون الباء للمصاحبة: أى مصاحبا للتحرى فيه، هذا كله على أن يكون التقدير: إن كان الحرىّ بالأوصاف السابقة، والأولى ألا يتعلق قوله «بتحريه» بالحرى كما سبق، وقوله إلى أن تنبلا متعلق بالتحرى أو بحواريا ومعنى تنبل مات، أو أخذ الأنبل فالأنبل أى انتفى ذلك من المعانى التى تحتملها ألفاظ القرآن.

10 [وإنّ كتاب الله أوثق شافع ... وأغنى غناء واهبا متفضّلا]

هذا حث على التمسك بالقرآن العزيز وتحريه، والعمل بما فيه، ليكون القرآن العزيز شافعا له، كافيه كل ما يحذر، واهبا له، متفضلا عليه بما يلقاه من ثواب قراءته والعمل به، وفى الصحيح عن أبى أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

(اقرءوا القرآن فإنّه يجيء يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا البقرة وآل عمران، فإنّهما الزّهراون تأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان تحاجّان عن صاحبهما) .

وفى كتاب الترمذى عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

(إنّ سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتّى غفر له، وهى: تبارك الّذى بيده الملك) قال: هذا حديث حسن، وأوثق من قولهم شيء وثيق: أى محكم متين: وقد وثق بالضم وثاقة، وإنما وصفه بذلك لأن شفاعته مانعة له من وقوعه في العذاب، وشفاعة غيره مخرجة له منه: بعد وقوعه فيه والغناء بالفتح والمد الكفاية وفعله أفعل كقوله تعالى:

{ (مََا أَغْنى ََ عَنِّي مََالِيَهْ) } [1] .

فقوله «وأغنى غنا» أى وأكفى كفاية: أى كفاية القرآن العزيز أتم من كفاية غيره، فأغنى في هذا البيت ليس فعلا ماضيا ولكنه أفعل التفضيل، وبناؤه من غير الثلاثى المجرد شاذ، والقياس أن يقال: أشد غناء، أو أتم غناء، أو نحو ذلك. ويجوز أن يقال: هو من غنى. إذا استغنى، أو من غنى بالمكان: إذا أقام به، فمعناه على الأوّل أنه غنى من كفاية ما يحذر حامله ملىء بها واسع جوده. وعلى الثانى أنه دائم الكفاية مقيم عليها، لا يسأم منها ولا يمل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف قبل غناء على الوجهين أى وأغنى ذى غناء، لأن المراد أن القرآن أثرى ذوى الكفايات وأدومهم عليها. ولك أن تقدر مثل ذلك في الوجه الذى بدأنا به: أى والقرآن أكفى ذوى الكفايات.

(1) سورة الحاقة، آية: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت