فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 791

يشير إلى عظم الرزانة وتوفرها إن قصد الكثيب أو المكيال، وإن قصد التاج قدرت الحال بمتوجا، ومن كلامهم جلس فلان وعليه السكينة والوقار، فإن قلت علام: عطف قوله «ويممه» قلت: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون عطفا على معنى المرتضى: أى هو الذى ارتضى أمة ويممه الوقار، فهو من باب قوله تعالى:

{ (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقََاتِ وَأَقْرَضُوا) } [1] .

أى إن الذين تصدقوا وأقرضوا، ويكون مضمون البيت ثناء عليه بأنه مرتضى كامل العقل. والوجه الثانى:

أن يكون معطوفا على «كان أمة» أى إذا اتصف بهاتين الصفتين: أى أن قارئ القرآن إنما يرتضى للاقتداء به ويقصد للانتفاع به بشرطين وهما أن يكون جامعا للخير، وافر العقل، والله أعلم.

9 [هو الحرّ إن كان الحرىّ حواريا ... له بتحرّيه إلى أن تنبّلا]

هو ضمير القارئ المرتضى قصده: الذى هو أمة وافر العقل. أو يكون ضمير القارئ مع الإعراض عن تلك الأوصاف، لأنه يغنى عنها اشتراطها بقوله: إن كان الحرىّ أى إن كان الحرى بها، ولهذا قال بعضهم:

إنّ إن بمعنى إذ، ولو أراد الناظم ذلك لقال إذ وكان تعليلا، والوزن موافق له، فلا حاجة إلى ارتكاب ما لم يثبت لغة، وإن ثبت فهو لغة بعيدة ضعيفة. فإن قلنا: هو ضمير القارئ بصفاته فكل بيت كأنه تأكيد لما قبله، وإن قلنا هو ضمير القارئ مطلقا كان كل بيت مستقلا بالغرض من وصفه بما يستحق به الإمامة والحرية. على أنى أقول قوله، بتحريه صلة الحرى، وليس المراد الحرى بها بل الحرى بالتحرى، وقوله «حواريا له» معترض بينهما والحر: الخالص من الرق: أى لم تسترقه دنياه ولم يستعبده هواه لأنه لما تحقق بتدبر القرآن، وفهم معانيه صغرت في عينه الدنيا وأهلها كقوله تعالى:

{ (وَمَا الْحَيََاةُ الدُّنْيََا إِلََّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) } ، { (وَمَا الْحَيََاةُ الدُّنْيََا إِلََّا مَتََاعُ الْغُرُورِ} [2] ) . { (وَإِنَّ الدََّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوََانُ) } . [3] { (وَلََا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ََ مََا مَتَّعْنََا بِهِ أَزْوََاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيََاةِ الدُّنْيََا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ََ) } [4] .

إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى، وما أحسن ما قاله الشاطبى رحمه الله من قصيدة له:

لمن يترك القرّاء ورد فراته ... ورودا من الدّنيا أجاج المشارب

ولو سمع القرّاء حين اقترائهم ... لفى آل عمران كنوز المطالب

بها ينظر الدّنيا بعين احتقارها ... فقيه المعانى غير عانى الذّوائب

يعنى قوله تعالى:

{ (زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ الشَّهَوََاتِ) } إلى قوله { (ذََلِكَ مَتََاعُ الْحَيََاةِ الدُّنْيََا وَاللََّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [5] )

(1) سورة الحديد، آية: 18.

(2) سورة الحديد، آية: 20.

(3) سورة العنكبوت، آية: 64.

(4) سورة طه، آية: 31.

(5) سورة آل عمران، آية: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت