[إبراز المعانى من حرز الأمانى] وقد أخبرنى بهذه القصيدة عن ناظمها جماعة من أصحابه، وقرأتها على شيخنا أبى الحسن المذكور مرارا، وأخبرنى أنه قرأها على ناظمها غير مرة، ومات رحمه الله سنة تسعين وخمسمائة في جمادى الآخرة، ومولده في آخر سنة ثان وثلاثين وخمسمائة فيكون عمره أقل من اثنتين وخمسين سنة.
قال تغمده الله برحمته وجمع بيننا وبينه في جنته:
1 [بدأت ببسم الله في النّظم أوّلا ... تبارك رحمانا رحيما وموئلا]
أى قدمت لفظ «بسم الله الرحمن الرحيم» في أوّل نظمى هذا، يقال: بدأت بكذا إذا قدمته فالباء الأولى لتعدية الفعل، والثانية هى التى في أول البسملة: أى بدأت بهذا اللفظ. والنظم: الجمع، ثم غلب على جمع الكلمات التى انتظمت شعرا، فهو بمعنى منظوم، أو مصدر بحاله واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينة، وهى قائمة مقام الإضافة كقوله تعالى:
{ (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) } [1] .
أى أدنى أرض العرب أى في نظمى، نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلا له بذلك، أو أراد في هذا النظم، نزله منزلة الموجود الحاضر فأشار إليه كقوله تعالى:
{ (هََذََا مِنْ شِيعَتِهِ وَهََذََا مِنْ عَدُوِّهِ) } [2] .
أو يكون المصدر في موضع الحال أى منظوما وأوّلا نعت مصدر محذوف: أى في أن نظمت نظما أوّل أى أنه مبتكر لم يسبق إليه وهو نظم قصيدة على روى واحد في مذاهب القراء السبعة موجزة بسبب ما اشتملت عليه من الرموز، وقد تشبه به قوم في زماننا. فمنهم من سلك مسلكه مختصرا لها، ومنهم من غير الرموز بغيرها، ومنهم من نظم في مذاهب القراء العشرة. زاد رواية أبى جعفر المدنى، ويعقوب الحضرمى وخلف البزار فيما اختار: والفضل للمتقدم الذى هو أتقى وأعلم، فالألف في قوله أوّلا على هذا الوجه للإطلاق لأنه غير منصرف.
ويجوز أن تكون الألف بدلا من التنوين على أن يكون أوّلا ظرف زمان عامله بدأت أو النظم أى بدأت في أوّل نظمى «بسم الله» أو بدأت «بسم الله» في نظمى الواقع أوّلا، فهو كقول الشاعر:
فساغ لى الشّراب وكنت قبلا [3]
والبركة كثرة الخير وزيادته واتساعه، وشيء مبارك: أى زائد نام، وما لا يتحقق فيه ذلك يقدر في لازمه وما يتعلق به كقوله تعالى:
{ «وَهََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ» } [4] ، { «إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ» } [5] .
أى كثير خير ذلك وما يتعلق به من الأجر، وتبارك تفاعل منه كتعاظم من العظمة، وتعالى من العلو. وقيل إنه فعل لم يتصرف أصلا، لا يقال يتبارك وغيره. ثم كمل لفظ البسملة بقوله «رحمانا رحيما» وزاد قوله «وموئلا» وهذا المعنى زاد دخول الواو فيها حسنا، والموئل. المرجع والملجأ، وهو وإن لم يكن لفظه ثابت الإطلاق على الله تعالى من حيث النقل فمعناه ثابت نحو:
{ (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} [6] ) ، { (وَإِلَى اللََّهِ الْمَصِيرُ} [7] ) .
(1) سورة الروم، آية: 3.
(2) سورة القصص، آية: 15.
(3) البيت ليزيد بن الصعق لا كما نسب إلى عبد الله بن يعرب وأتى الشارح بصدره مستشهدا به وتمامه أكاد أغص بالماء الفرات، والصواب الحميم.
(4) الأنبياء، آية: 50.
(5) سورة الدخان آية: 3.
(6) سورة يونس، آية: 4.
(7) سورة فاطر، آية: 18.