فى اللفظ، فضمت كما يضم المنادى المفرد، وهى لغة عربية حكاها الكسائى والفراء. قال الفراء: هى لغة بنى أسد، يقولون: أيه الرجل أقبل، وذلك أنهم شبهوا هذه الهاء بهاء الضمير، فضموها، وكذلك حركوا هاء السكت تشبيها لها بهاء الضمير، وأسكنوا هاء الضمير، تشبيها بهاء السكت، وفى قراءة ابن عامر: تحريك هاء السكت، يعنى في الأنعام:
{ (فَبِهُدََاهُمُ اقْتَدِهْ} [1] ) .
وقول الناظم: على الإتباع، بيان لمأخذ هذه اللغة وحركتها، وهى أنهم ضموا الهاء اتباعا لضمة الياء قبلها، والوجه فتح الهاء، وهى قراءة الجماعة، لأنها ها التى للتنبيه، حذفت ألفها للساكن الذى بعدها، ويعلم من قوله: إن ابن عامر ضم الهاء على الإتباع: أنه رسم بغير ألف، وأن من عدا الكسائى وأبا عمرو: وقفوا على الهاء، لأن الألف لا يمكن ضم ما قبلها، وكأن هذا من باب الإثبات والحذف، فكأنه قال أثبت الألف في الوقف أبو عمرو والكسائى، فالباقون على حذفها وقفا، وزاد ابن عامر فضم الهاء في الوصل اتباعا، والإتباع في اللغة وجه مقصود في مواضع كثيرة. قال الشيخ: وأجاز صاحب القصيدة ضم ابن عامر بالرفع على الابتداء وضم ابن عامر على أنه فعل وفاعل. قلت: فعلى هذا تقدير الكلام: أوقع الضم في الهاء، فهو من باب يجرح في عراقيبها نصلى. ثم قال الشيخ: والمرسوم مبتدأ، وفيهن، الخبر وأخيلا: منصوب على الحال، والتقدير والمرسوم استقر فيهن أخيلا: أى مشبها ذلك، والأخيل: الحبرة اليمانية شبه الرسم بها. قلت: وتبع الشارحون الشيخ في هذا المعنى واللفظ، وهو مشكل لفظا ومعنى فإن الأخيل، طائر، والرجل المتكبر، وما رأيت أحدا من أهل اللغة ذكر أنه الحبرة وقد كشفت الكتب المشهورة في ذلك فلم أجده، ثم: لا طائل المعنى المفهوم من هذا اللفظ على تقدير صحته: وقد طال فكرى في معنى صحيح أحمل اللفظ عليه، فوقع لى أن قوله أخيلا فعل ماض هو خبر، والمرسوم بمعنى الرسم: مصدر على وزن مفعول، كالمجلود، والمفتون، أى والرسم أخيل فيهن ذلك، من قولهم: أخالت السماء، وأخيلت إذا كانت ترجى المطر، حكاه الجوهرى وابن سيده، فاستعارة الناظم هنا: أى أن الرسم أخيل ضم الهاء الذى قرأ به ابن عامر في هذه المواضع الثلاثة لأنها لما رسمت على هذه الصورة بلا ألف أوقع ذلك في ذهن من رآه، ظنا أنه رسم على لغة بنى أسد المذكورة. قال الجوهرى:
وقد أخلت السحابة وأخيلتها إذا رأيتها مخيلة للمطر، ثم إنى رأيت بعد ما وقع لى هذا المعنى الصحيح في شرح هذا اللفظ: نسخة صحيحة من القصيدة في طرة هذا الموضع، منها حاشية منقولة من حواشى نسخة الشيخ أبى عبد الله القرطبى رحمة الله عليه، يقال: سحاب. مخيل: أى حقيق بالمطر، ورأيت هذا أيضا في طرة نسخة أخرى مقروءة على المصنف، ولا شك أن ما كان فيها من الحواشى هو من كلامه وزاد، فكأن الرسم حقيق بضم الهاء، إذا جاء بغير ألف، ورأيت في حاشية نسخة أخرى قرئت على الناظم غير مرة، وهو من قولهم أخال السحاب وأخيل: إذا كان حقيقا بالمطر، ولما رسمت هذه المواضع بغير ألف إجماعا كان فيه حجة لابن عامر، قلت: فدل ذلك على أنه مراد الناظم، وأن أبا عبد الله وغيره سمعوه منه، والله أعلم.
ورسمت يا أيها في جميع القرآن بالألف آخرها، إلا في هذه المواضع الثلاثة، وكأنهم أشاروا بذلك إلى جواز
(1) آية 90.