فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 358

قال: انطلقت في وفدِ بني عامر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -

فقلنا: أنت سيدنا. فقال: «السيد اللهُ [1] تبارك وتعالى» . قلنا: وأفضلُنا فضلًا، وأعظمُنا طَوْلًا. فقال: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» . رواه أبوداود بسند جيد.

وعن أنس [2]

(1) قوله: «السيد الله» قال الخطابي: «يريد - عليه السلام - السؤدد حقيقة لله عز وجل، وأن الخلق كلهم عبيد له، فعلَّمهم الثناء عليه - عليه السلام -، وأرشدهم إلى الأدب في ذلك، وقال عليه السلام: «قولوا بقولكم» يريد قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادعوني نبيًا ورسولًا كما سماني الله في كتابه فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} و {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} ولا تسموني سيدًا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم، ولا تجعلوني مثلهم، فإني لستُ كأحدهم إذ كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا وأنا أسودكم بالنبوة والرسالة فسَمُّوني: رسولًا ونبيًا».

وقوله: «أو بعض قولكم» فيه حذف واختصار ومعناه: دعوا بعض قولكم واتركوه، يريد بذلك الاقتصار في المقال.

وقوله عليه السلام: «لا يستجرينكم الشيطان» معناه: لا يتخذكم جريًا، والجري: الوكيل. ويقال: الأجير. انتهى كلام الخطابي باختصار. قاله في «إبطال التنديد» *. وفي «النهاية» [1/ 255 - 256] : «ولا يستجرينكم الشيطان أي: لا يستغلبنكم فيتخذكم جريًَّا، أي رسولًا ووكيلًا، وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه، يريد: تكلموا بما يحضركم من القول ولا تكلفوا كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون عن لسانه» . انتهى.

(2) قوله: «وعن أنس - رضي الله عنه - أن أناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا: فقال: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا: محمد عبدالله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله

* (ص/315) .

عز وجل». رواه النسائي بسند جيد» * قال في «إبطال التنديد» **: «وهذان الحديثان دليل على الأدب مع الله عز وجل، وقوله: «أنا سيد ولد آدم» وشبهه دليل على الجواز».

فأقول: إذا كان الحديثان دليلًا على الأدب مع الله عز وجل فما الذي أجاز سوء الأدب ومخالفة الأحاديث الصحيحة؟ أما الاستدلال على جواز سوء الأدب بقوله - صلى الله عليه وسلم - «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» *** فلا يدل على الجواز؛ لأن هذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - عن ما فضله الله به على البشر؛ تحدثًا بنعمة الله عليه، عملًا بقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحي:11] ، قال شيخ الإسلام في «المنهاج» : «فإن الله خيَّر محمدًا بين أن يكون عبدًا رسولًا وبين أن يكون ملَكًَا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا» . انتهى. فجعله سيد ولد آدم لما تواضع لربه عز وجل، وليس هذا تشريعًا للأمة حتى يخاطبوه أويصفوه بذلك، ولهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أنه خاطبه بذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه بل نهاهم عن إطرائه فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدالله ورسوله» ، ولما قيل له: أنت سيدنا. قال: «السيد الله» ، وعدَّ مخاطبتهم له بذلك من استجراء الشيطان واستهوائه، ثم أرشدهم إلى ما ينبغي في مخاطبته، فقال: «أنا محمد عبدالله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» وهي العبودية التي وصفه بها في أشرف المقامات فقال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1] ، وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] ، وقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] . وفيه: تحذير الناس عن الغلو، وما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا. وقوله: «لا يستهوينكم

* أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (248، 249) والترمذي (3148، 3615) ، وابن ماجه (4308) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (2516) .

** (ص/316) .

*** أخرجه البخاري (4712) ، ومسلم (2278) .

وسيِّدَنا وابنَ سيِّدنا. فقال: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمدٌ عبدُ الله ورسوله، ما أُحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللهُ عز وجل» . رواه النسائي بسند جيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشيطان» مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. وقوله: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي» . قاله المصنف رحمه الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى [بدائع الفوائد 3/ 213] : «اختلف العلماء في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونُقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له «أنت سيدنا» قال: «السيد الله» ، وجوّزه قوم، واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» * وهذا أصح من الحديث الأول، قال هؤلاء: السيد أحدُ ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي سيد كندة، ولا للملك سيد البشر، وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وفي هذا نظر؛ فإن السيد إذا أُطلق عليه تعالى فهو بمنزلة المالك والمولَى والرب لا بمعنى الذي يُطلق على المخلوق». انتهى.

قلت: والصواب المنع من إطلاق لفظ السيد على البشر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «السيد الله» ، ولما صح عن ابن عباس في قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} [الأنعام:164] أي إلهًا وسيدًا، ولما صح عنه أيضًا في قوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص:2] أنه السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد. وقال أبووائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده. أما ما احتج به من أجاز ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار «قوموا إلى سيدكم» فهذا لا حجة فيه؛ لأنه قال ذلك عام الخندق سنة خمس حينما جاء سعد للحكم في بني قريظة، وقوله «السيد الله» قاله لوفد بني عامر سنة الوفود سنة تسع وإنما يُؤخذ بالمتأخر من قوله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان محمد بن عبدالله أفضل الخلق وأكرمهم على ربه لم يقبل مخاطبته بالسيادة أدبًا وتواضعًا لربه عز وجل فغيره أولى أن لا يخاطب بذلك،

* أخرجه أحمد (6/ 141 - 142) ، وابن ماجه (6989) ، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (67) .

لا سيما وقد اتخذ هذا اللفظ بعض الدجالين أداة للسيطرة على ضعفاء العقول وأوهموهم أن لهم مزية وفضلًا على غيرهم، وأن لهم حقًا في أموالهم بل استعبدوهم وأوهموهم أنهم ينفعون ويضرون ويتبرك بهم وأنهم أولياء، واتخذوا لهم علامة على السيادة خضراء، وكل هذا جهل وضلال، فإنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، هذا الذي ندين الله تعالى به، والله الموفق، لا إله غيره ولا رب سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت