وذلك لإجماعهم على أن اختراع الاستعارات الغريبة البديعة التي لم تُسمَعْ بأعيانها من أهل اللغة هو من طرق البلاغة وشعبها التي بها ترتفع طبقة الكلام، فلو لم يصح لما كان كذلك ولهذا لم يدونوا المجازات تدوينهم للحقائق «أ. هـ. انظر (شرح التلويح على التوضيح) .
جـ1 ص 152 - 153. دار الكتب العلمية.
الشبهة الرابعة للإمام ابن تيمية: (قوله ببطلان أدلة جمهور الأمة على إثبات المجاز) وهي: الدليل الأول: قوله تعالى: جدارًا يريد أن ينقض … الآية من سورة الكهف.
يقول رحمه الله:» … فكل لفظ موجود في كتاب الله وسنة رسوله فإنه مقيد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز بل حقيقة. ولهذا لما ادّعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازًا وذكروا ما يشهد لهم، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: جدارًا يريد أن ينقض قالوا: والجدار ليس بحيوان، والإرادة إنما تكون للحيوان فاستعمالها في ميل الجدار مجاز.
فقيل لهم لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة: يقال (هذا السقف يريد أن يقع) ، و (هذه الأرض تريد أن تحرث) ، و (هذا الزرع يريد أن يسقى) … «أ. هـ (الإيمان) ص 102 - 103.
والرد على ذلك: نقول:
1 -سبق إبطال كلامه في إنكاره التجريد والإطلاق في الألفاظ.
2 -قوله (لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الحي، وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد) وضربه أمثله لذلك، ليس فيه دليل على تساوي استعمال اللفظ في الحالتين بل هو دليل على أن العرب قد نطقت بالحقائق وبالمجازات.
يقول الدكتور المطعني:» ولو كانت إرادة الحيوانات والجمادات مثل إرادة الإنسان لما أهدر الشرع الأضرار التي تقع على الإنسان من العجماوات ولما قال عليه السلام (جرح العجماوات جبار) يعني لا تبعه عليها فيه، ولكان القصاص من الحيوانات إذا رفصت إنسانًا فمات ولم يقل بهذا أحدًا.
وإذا كان جرح العجماوات هدرًا وهي أرقى من الجمادات لما ركب فيها من إحساس وإدراك فإن جرح الجمادات أولى بعدم الإكثرات وليس بعد هذا الفرق من كلام أو نزاع «أ. هـ (المجاز ص 800) .
الدليل الثاني: قوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف الآية 112 من سورة النحل.
يقول الإمام ابن تيمية» … فإن من الناس من يقول: الذوق حقيقة في الذوق بالفم واللباس بما يلبس في البدن وإنما استعير هذا وهذا وليس كذلك. بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء والاستعمال يدل على ذلك «أ. هـ (الإيمان ص 104) .
والرد على ذلك: نقول: وهل يوجد الطعم في غير الفم؟! يقول د. المطعني» فكلمة طعم هذه خاصة بما يؤكل أو يشرب والطعام هو المأكول والطعم أثره في اللسان من حلاوة ومرارة ومزازة … فالخليل إذا لما قال: وجود طعم الشيء اكتفى بذكر (طعم) عن ذكر اللسان فأجمل إجمالا لا يخل بالفهم… نقول: إن عبارة الخليل لا تفيد الإمام ابن تيمية فهى حجة عليه وليست له «أ. هـ (المجاز ص 803 - 804) .
الدليل الثالث: ذكر الأصوليون وبعض اللغويين من أدلة المجاز: قوله تعالى: ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا {الآية 50 من سورة النمل قوله:} فيسخرون منهم، سخر الله منهم الآية 180 من سورة التوبة.
يقول الإمام ابن تيمية:» وليس كذلك بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله كانت عدلًا «أ. هـ الإيمان ص 107 والرد على ذلك:
أن هذه الأمثلة كما يقول د. المطعني من باب المشاكلة وهي تسمية الشيء باسم غيره لوقوعه في صحبته لفظًا أو تقديرًا، ولا يتوقف تحقيقها على المجاز، وإن وقع فيها مجاز فذلك ليس من شرطها.
وهنا نصوص أخرى من المشاكلة لا يستطيع نفي المجاز فيها، من هذه النصوص ما يتعلق بالله سبحانه مثل: وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا {الآية 34، من سورة الجاثية،} فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم {الآية 14 من سورة السجدة،} نسوا الله فنسيهم الآية 67، من سورة التوبة.
ونحن لا نناقش هل الكفار يستحقون ذلك أم لا، أو أن نسيان الله سبحانه وتعالى لهم عدل أم لا؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)