"وإنما وجب حذفها في الجزم، لأن هذه الأحرف التي هي الواو والألف والياء جرت مجرى الحركات لشبهها بها فكما أن الحركات تحذف للجزم، فكذلك هذه الأحرف، فلما وجب حذف هذه الأحرف في المعتل للجزم، فكذلك يجب حذفها من المعتل للبناء، فحذفت فيهما حملا للمعتل على الصحيح، لأن الصحيح هو الأصل، والمعتل فرع عليه، فحذفت حملا للفرع على الأصل (54) . والخلاصة أن المضارع والأمر المعتلين حملا - في حذف حرف العلة - على المضارع والأمر الصحيحين حمل فرع على أصل، للتشابه بين حروف العلة والحركات في أن كلا منهما يحذف عند وجود المقتضى."
وقد ساق ابن جني رأيا لطيفا فذكر أنه إذا كان المراعى هو جانب الحركات والحروف، بغض النظر عن الصحة والاعتلال، كان من قبيل حمل الأصل على الفرع، لأن الحركات زوائد والحروف أصول (55) .
6 -قياس الجر على النصب:
الكسرة هي العلامة الأصلية للجر، والفتحة هي العلامة الأصلية للنصب، تقول: مررت بزيد، وأكرمت زيدًا. ولكن مالا ينصرف من الأسماء جر بالفتحة نيابة عن الكسرة، فجر مالا ينصرف - حينئذ - بالفتحة مقيس على نصبه أى أن الجر فيما لا ينصرف - والجر خاص بالأسماء أصيل فيها - حمل على النصب المشترك بين الأسماء والأفعال (56) .
فالفتحة علامة فرعية للجر، والكسر علامة أصلية، وقد جر بالفتح ما حقه أن يجر بالعلامة الأصلية. لهذا كان حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف من باب حمل الأصل على الفرع"وعلة الحمل هنا، هو أن المجرور والمنصوب فضلتان في الكلام فلما لم يكن من الحمل بد، حمل أحدهما على الآخر، كما في المثنى والمجموع، ولما كانت الفتحة إلى الكسرة أقرب من الضمة إليها، حمل على الأقرب منه، وهو الفتحة، حمل أصل على فرع، بخلاف حمل النصب على الجر في التثنية والجمع لأنه حمل فرع على أصل. وقد سمى النحاة حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف وحمل النصب على الجر في التثنية والجمع سموه بالتقارض. وذكر ابن جني أن النحاة شبهوا الأصل بالفرع في المعنى الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل، لأنهم"لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه تمموا على المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فاعملوه (57) "."
"وكما حمل النصب على الجر في التثنية والجمع الذي على حد التثنية، كذلك حمل الجر على النصب فيما لا ينصرف، لأن"العرب إذا شبهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه، تثبيتًا لهما، وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما (58) "، وذلك يدلك على قوة تداخل هذه اللغة واتصال أجزائها وترابطها."
7 -قياس التثنية على الجمع:
من قبيل حمل الأصل على الفرع قياسهم تثنية الممدود على جمعه في قلب همزته واوًا إذا كانت للتأنيث فقالوا في تثنية صحراء وحمراء: صحراوان وحمراوان قياسًا على قلبها واوًا في الجمع حيث قالوا: حمراوات وصحراوات. وإنما قلبت همزة الممدود واوًا في الجمع لأن بقاءها دون قلب يؤدى إلى اجتماع شبه ثلاث ألفات لوقوعها بين ألفين لأن الهمزة من مخرج الألف، وخصت بالقلب واوا، لأن الياء قريبة من الألف، فلو قلبت ياء لأدى إلى اجتماع شبه ثلاث ألفات كذلك، لهذا اختير قلبها واوًا لبعد شبهها بالألف وإنما كان حمل المثنى على الجمع من قبيل حمل الأصل على الفرع، لأن المثنى أقرب إلى الواحد وأبعد عن الجمع، فقربه من الواحد جعله أصلًا كما أن بعد الجمع عن الواحد جعله فرعًا (59) .
8 -قياس بعض الآحاد على المثنى والمجموع
للإعراب علامات أصلية، وعلامات فرعية. فالآحاد تعرب بعلامات أصلية وهي الحركات، نحو: هذا عالم فاضل ورأيت عالمًا فاضلًا، واستمعت إلى عالم فاضل. والتثنية والجمع يعربان بالحروف - وهي علامات فرعية - نحو: جاء الزيدان، وأكرمت الزيدين، ومررت بالزيدين. وأيضًا صام المسلمون، واحترمت المسلمين، وسررت من تآزر المسلمين، ولكن بعض الآحاد جاء معربًا بالحروف نحو: هذا أخوك، واحترم أباك، وجلست مع حميك قياسًا للمفرد على التثنية والجمع. وهو حمل للأصل على الفرع (60) لأن ما حقه أن يعرب بالحركات، جاء معربًا بالحروف.وهذا على المشهور في إعراب الأسماء الستة وهو أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف بخلاف ما ذهب إليه سيبويه والفارسي وجمهور البصريين من أنها معربة بحركات مقدرة على الحروف (61) "،"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)