وأرى أنّ جَميعَ هذه المُصْطَلحاتِ مِنْ مُصْطَلَحاتِ سِيْبَوَيْه إلاّ أنّ عَدَمَ تَحْديدِ سِيْبَوَيْه لِماهِيَّتِها سَبَّبَ هذا الخِلافَ بينَ النُّحَاة، أمّا مُصْطَلحا الإسْنادِ والبِناءِ فذَكَرَهُما في أوَّلِ كِتابِهِ، قالَ في بابِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه ( [355] ) :"وهُما ما لا يُغْني واحِدٌ مِنْهما عن الآخَرِ، ولا يَجِدُ المُتَكَلِّمُ منه بُدًّا، فمَنْ ذلك الاسْمُ المُبْتَدأ والمَبْنِيُ عليه وهو قولك: (عبدُاللهِ أخوكَ) و (هذا أَخوكَ) ، ومثلُ ذلك: (يَذْهَبُ عبدُالله) ،فلا بُدَّ للفِعْل من الاسْمِ كَما لم يَكُن للاسْمِ الأوَّلِ بُدٌّ مِن الآخَرِ في الابْتِداءِ".
فالمُلاحَظُ في نَصِّهِ أَنَّ الإسْنادَ والبناءَ بمَعْنىً واحِدٍ، ويَقْصِدُ بهِما ارْتِباطُ اسْمٍ بآخَرَ أو كَلِمَةٍ بأُخْرى، ولا يَسْتَغْني أَحَدُهُما عن الآخَرِ، وهذا يَنْطبِقُ على المُبْتَدأ والخبَرِ، والفِعْلِ والفاعِلِ 0
أَمّا ما فَهِمَهُ ابنُ الباذِش فهو ما جاءَ في قولِ سِيْبَوَيْه ( [356] ) :"هذا بابُ الفاعِلِ الذي لم يَتَعَدَّهُ فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ، والمَفْعُولِ الذي لم يَتَعَدَّ إليه فِعْلُ فاعِلٍ،ولم يَتَعَدَّه فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ، والفاعِلُ والمَفْعُولُ في هذا سواءٌ، يَرْتَفِعُ المَفْعُولُ كَما يَرْتَفِعُ الفاعِلُ؛ لأنّك لم تُشْغِلْ الفِعْلَ بغَيْره، وفَرَّغْتَهُ له كَما فَعَلتَ ذلك بالفاعِلِ"،فالفاعِلُ ونائِبُهُ رُفِعا لأنّك قد فَرَّغْتَ الفِعْلَ لهُما، ونُصِبَ المَفْعُول لأنّك قد شَغَلتَ الفِعْلَ بالفاعِلِ.
والمُلاحَظُ أَنَّ هناك كَثيرًا مِن العُلماءِ يُفَرِّقونَ بينَ هذه المُصْطَلَحاتِ،ويَرَونَ أنّ لِكُلِّ مُصْطلحٍ مَعْنىً خاصًا به واسْتِعْمالًا مُحَدَّدا يَخْتَلِفُ عن غيرِه مِن المُصْطلحاتِ، وهناك مَنْ لم يُفَرِّقْ بَيْنَها، ومِنْهُم ابنُ أبي الرَّبيعِ فقد صَرَّحَ في البَسيطِ أنّ هذه الألفاظَ مُتَرادِفَةٌ، قالَ ( [357] ) :"فما ذَكَرْتُه مِن الإسْنادِ إليه وتَفْريغِ الفِعْلِ له وبِناءِ الفِعْلِ للإسنادِ إليه،وهذه الألفاظُ كُلُّها مُتَرادِفَةٌ لمَعْنىً واحِدٍ، وقد أتَى بِها سِيْبَوَيْه في مَواضِعَ فدَلَّ ذلك على أنّها على مَعْنىً واحِدٍ".
وأَرى أَنَّ خِلافَ ابنِ الباذِش مَعْ غيرِهِ مِنْ النُّحَاة في هذه المَسْأَلَةِ مَرَدُّهُ إلى عبارَةِ سِيْبَوَيْه المُبْهَمَةِ، فقد ذَكَرَ سِيْبَوَيْه المُصْطلحاتِ الثلاثَةِ ولم يُحَدِّدْ مَعْنى أَيٍّ منها،ولم يَعْتَمِدْ مَفْهومًا أو مُصْطلحًا واحِدًا، وهذا التَّنَوُّعُ في الاصْطِلاحِ أو التعبيرُ المُبْهَمُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبابِ الخِلافِ، وهذا ما سَنَراهُ في جُمْلَةٍ مِنْ المَسَائِلِ 0
علة منع عمل اسم الفاعل مصغّرًا
في إِعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ مُصَغَّرًا أو مَوْصُوفًا خِلافٌ بَيْنَ البَصْريِّين والكُوفيِّين، فالبَصْريُّون والفَرّاءُ يَمْنَعونَ إِعْمالَهُ مُصَغَّرًا أو مَوْصُوفًا،ويُجِيزُ ذلك الكِسائيُّ وجُمْهورُ الكُوفيِّين، ووافَقَهُم في إِعْمالِه النَّحَّاسُ ( [358] ) .
ونَسَبَ الأزْهَريُّ إلى ابنِ الباذِش أَنَّ عِلَّةَ المَنْعِ كونُ التَّصْغِيرِ وَصْفًا في المَعْنى، فمَنَعُوه مِنْ العَمَلِ كَما مَنَعوا إِعْمالَه مَوْصُوفًا ( [359] ) .
والحَقُّ أنَّ هذه العِلَّةَ لمَنْ سَبَقَهُ مِنْ النُّحَاة ولَيْسَت له، قال الفَارِسِيّ في التَّكْمِلةِ ( [360] ) :"تَصْغيرُ الاسْمِ بمَنْزِلةِ وَصْفِهِ بالصِّغَرِ، فقَوْلُنا: (حُجَيرٌ) كقولنا: (حَجَرٌ صَغيرٌ) ، ويَدُلُّ على ذلك أَنَّ مَنْ أَعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ نَحْوَ: (هذا ضَارِبٌ زَيدًا) إذا صُغِّرَ فقال: (ضُوَيْرِبٌ) لم يَسْتَحْسِنْ إِعْمالَهُ في المَفْعُولِ بِهِ كَما لا يَسْتَحْسِنُ إذا وَصَفَه فقال: هذا ضَارِبٌ ظَريفٌ زَيدًا"،فالواضِحُ مِنْ هذا النَّصِّ أَنَّ الوَصْفِيّةَ عِلَّةٌ للمَنْعِ عندَ الفَارِسِيّ.
ويَبْدو لي أنَّ هذا اخْتِيارٌ لابنِ الباذِش، وليسَ رأيًا له، وهو اخْتِيارُ جُمْهورِ البَصْرِيِّين في التَّعْليلِ لمَنْعِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ مُصَغَّرًا أو مَوْصُوفًا ( [361] ) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)