فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 257

الحكم الشرعي

على الرغم من تفاوت نيات الوالجين في العملية الانتخابية التشريعية، وعدم وضوح تصوراتهم لها، واختلافاتهم في تحديد المراد منها، فإن هذه النيات لا قيمة لها في تحديد الحكم الشرعي لهذه العملية الشركية.

إذا توضح التوصيف الشرعي لواقع مجلس الشعب (البرلمان) ، والتوصيف الشرعي مبني على أصلين هما: معرفة حقيقة البرلمان كما يريده أهله، وثانيهما: معرفة حكم الله تعالى في أمثاله، ثم عرفنا أن البرلمان مجلس شركي طاغوتي، لأن فيه إسناد حق التأليه لغير الله تعالى، فهو المشرع في الديانة العلمانية، فهل يجوز للمسلم أن يدخله بنية أخرى تخالف حقيقته؟ وبمعنى أوضح: لو قال رجل مسلم: أنا أعرف حقيقة البرلمان والديمقراطية، وأنهما كفر وشرك، ولكن لا أتعامل مع البرلمان من وجهة نظر أهله له ولكن أتعامل معه من وجهة نظري أنا، فأنا لا أوافق على العلاقة التضامنية فيه؟ وأنا فقط أريد أن أبلغ كلمة الحق فيه وعلى منبره، وأريد أن أقلل الشر في التشريع الوضعي، وأريد .. وأريد .. ؟ فهل لهذه الأقوال اعتبار؟ وبمعنى أكثر وضوحا: هل فتوى بن باز في جواز الدخول في البرلمان إذا كانت نية الداخل في الإصلاح وتبليغ الشريعة صحيحة أم باطلة؟.

نقول: إن هذه النيات لا قيمة لها، ولا أهمية لها في تغيير التوصيف الشرعي لهذه العملية ولا للقائم بها وعليها.

وللتفصيل نقول:

1 -متى تعتبر المقاصد في الأفعال المكفرة؟. الأفعال المكفرة تنقسم إلى قسمين من جهة دلالتها على التكفير:

القسم الأول: صريح في دلالته.

القسم الثاني: احتمالي في دلالته.

أما القسم الأول فلا ينظر فيه إلى المقاصد والنيات، ومثاله من سب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا فعل كفر وردة، بغض النظر عن قصده، لأن هذا الفعل لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو الخروج من الإسلام، فلو قال رجل أنا أسب الله ومع ذلك فأنا أعترف بألوهيته وربوبيته، فلا قيمة لقوله هذا، لأن ذات السب ناقض للتأليه في كل وجه، ومما ذكره أهل العلم كذلك للتفريق بين تبيين القصد أو عدم تبيينه سب الصحابة رضي الله عنهم، فإن من سب أحدا من الصحابة فإنه لا يكفر (إلا من اتهم عائشة رضي الله عنها بالفاحشة فإنه يكفر لتكذيبه القرآن) ، لأن من سب أحدا من الصحابة له وجه وهو عدم التكفير، كما كان بعض الصحابة يسب بعضهم بعضا لأمر اجتهادي أو لأمر دنيوي، أما من سب جميع الصحابة فإنه لا وجه لسبه إلا أنه مبغض للإسلام وأهله ولا وجه له آخر يحتمله، وكذا قاتل النبي فلا يقال له:

هل قتلته وأنت مكذب بنبوته أم مصدق لها ولكنك لا تريد متابعته؟. أم هل قتلته نفيا لنبوته أم لقضايا شخصية بينك وبينه؟ وسبب عدم النظر إلى المقصد أن الفعل لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو الكفر والدلالة على الكفر (ولا نقصد هنا بقولنا الدلالة على الكفر أي على الكفر القلبي بمعنى نفي التصديق كما تقول المرجئة) . فإذا كان الفعل لا يشير إلا إلى اتجاه واحد فلا قيمة للمقاصد، أما إذا كان الفعل محتملا فلا بد من سؤال الفاعل عن قصده، ومثاله: لو أن رجلا سب دين رجل مسلم فهل نكفره بمجرد سب الدين؟ أم إننا لا بد أن نسأله عن مراده في كلمته هنا؟ فإن قصد دين الإسلام فهو كافر، وإن قصد دينه (أي سلوكه والعمل الذي ينتهجه) فلا يكفر لهذا المعنى، ومن الأمثلة القوية على هذا الأمر حكم الجاسوس؟ فقد اختلف العلماء في حكم الجاسوس المسلم فبعض أهل العلم يرى أن هذا الفعل مكفر وفاعله مرتد، وحكمه حكم المرتد، وبعضهم يرى أن هذا الفعل ليس من أفعال الردة المكفرة، فحكمه دائر بين قتله حدا وبين تعزيره، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد؟ والصحيح أن الجاسوس المسلم دائر بين هذه الأحكام، فقد يكون فعله دالا على الردة وقد يكون معصية من المعاصي لا تخرج صاحبها من الإسلام، وهنا للتمييز بين الجاسوسين لابد من تبين القصد، والقصد وإن كان أمرا قلبيا إلا أنه يمكن معرفته بالقرائن، كقول الفقهاء في التمييز بين القتل العمد وشبه العمد، إن الفارق بينهما هو القصد، فإذا قصد الرجل القتل فهو عمد، وإن لم يقصد فهو شبه العمد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت