إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي له الحق فقط أن يكشف عن صفات الطائفة المنصورة، وقد تبين لنا أن سبب ورود الحديث -حديث الطائفة- هو الرد على معطلي الجهاد، ومن هنا يظهر أن الطائفة المقصودة شرطها اللازم هو القتال. وهناك أحاديث أخرى غير حديث سلمة بن نفيل الكندي تؤيد هذا الأمر وتؤكد عليه، ومنها حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة ) )رواه مسلم.
ومنها حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصبة من المسلمين حتى تقوم الساعة ) )رواه مسلم.
وأحاديث أخرى غيرها، كلها تشير إلى هذا الأمر وتؤكده، وتنفي أي فهم آخر لهذا الحديث العظيم.
وقد وجد بعض القوم ممن يتشبث بكلام بعض الأئمة في تفسير هذا الحديث، حيث أن جماعة من الأئمة الهداة أمثال عبد الله بن المبارك، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج سئلوا عن المراد بهذه الطائفة فأجابوا بالجزم أنهم أهل الحديث. فهل ما قالوه حقا، أم أنهم أخطأوا (والخطأ في حقهم جائز) ؟ فإذا أصابوا فما المقصود بقولهم: أهل الحديث؟.
إنني أعتقد جازما أن ما قالوه هو الحق والصواب، وألهم هدوا إلى معرفة المراد بهذا الحديث، فأهل الحديث هم خير أهل الأرض في كل زمان، وأهل الحديث هم على الجادة التي يتم بها وعليها النحاة، بهم حفظ الله تعالى دينه، ومناهجهم هي الأهدى والأتبع لمنهج خير القرون المشهود لها بالخيرية حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني) . وحيث تبين لنا هذا فلماذا قال هذا الجمع من الأئمة أنهم: أهل الحديث؟.
وما المقصود بهذا المصطلح؟.
وقبل أن أخوض في كشف المراد من هذا المصطلح فلا بد أن أعرج ولو قليلا على بعض الأفهام السقيمة، والطروح العليلة في تفسر هذا المصطلح.
ظن بعض الأغمار وبعض الصبية أن المقصود بهذا الحديث هم الذين يشتغلون بفن علم الحديث، دراسة وتحقيقا وتخريجا، وعلى هذا فإنهم قصروه على أولئك الكتبة، وبعض تجار الورق الذين اشتغلوا بهذا الفن، وهذا العمل وهذا الذي قالوه بين الخطأ والانحراف، وخطأ هذا التفسير ظاهر من عدة جوانب، ويكفينا أن نشير إلى الواقع العملي لهؤلاء ليتبين لنا بوضوح خطأ ما قالوه.
فنقول: لو أن كل واحد اشتغل بعلم الحديث جمعا ودراسة وتحقيقا وتخريجا هو من أهل الحديث، أي داخلا في مسمى هذا المصطلح الذي أطلقه أولئك الأئمة لكانت طامة وباقعة، فمن أشهر القوم الذين اشتغلوا بهذا الفن ممن عرفهم القاصي والداني، رُئي منهم شرك وكفر، وقرأنا لهم بعض الكتابات التي تحسّن عبادة غير الله تعالى، كعبادة القبور والجن، وقد رأينا كبار من اشتغل بهذا الفن من هو من أئمة التصوف، الذين صرحوا بأعظم البدع والمنكرات. فممّن اشتهر بهذا الفن الحديثي الشيخ يوسف النبهاني وهو الذي ضم زيادة الجامع الصغير إلى الجامع الصغير (وكلاهما للسيوطي) وسماه"الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير"ورتبه ترتيبا رائعا، وأزال منه المكرر، وجعل له مقدمة تشتمل على ست فوائد، وكلها مرقومة في"صحيح الجامع الصغير وزيادته"الفتح الكبير"، وهذا الرجل له من الكتب العديدة التي تحسن عبادة غير الله تعالى كالقبور والاستغاثة بالأموات، وله كتاب جمع فيه -ما زعم- كرامات للأولياء سماه"جامع كرامات الأولياء"، فيه من الطامات العظيمة، والمصائب التي يستحي المرء من ذكرها، وكان الرجل عاملا في المحاكم المدنية التي تحكم بالياسق العصري -حسب تعبير محمود شاكر- في لبنان، وجهوده في ذم الموحدين، والبراءة منهم، والطعن فيهم أشهر من نار على علم، فهل يقول قائل له مسكة من عقل: إن يوسف النبهاني من أهل الحديث فهو من الطائفة المنصورة؟!."