فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 257

من قرأ سيرة الصحابة رضي عنهم في حروبهم وجهادهم رأى بكل وضوح أن جهادهم للمرتدين وخاصة قتال بني حنيفة أتباع مسيلمة كان من أشق الحروب وأتعبها عليهم فقد جهدوا فيها جهدا عظيما، وقال أهل السيرة أن عدد من قتل من المسلمين يقارب الألف، وعدد قتلى بني حنيفة (10) آلاف نفس، وكان عدد كبير من القتلى من حملة القرآن، وكانت هذه المقتلة سببا في إقبال الصديق رضي الله عنه على جمع القرآن، ثم من نظر في مسيرة التاريخ الإسلامي رأى أن حروب المسلمين لطوائف الزندقة كانت من أشد البلاء على المسلمين، أشد من قتالهم للكفار الأصليين، ولو تمعنا في سبب هذا الخصوص في قتال المرتدين لرأينا أن الأمر يرجع إلى سببين اثنين، وبفهمهما تدرك جماعات التوحيد والجهاد أن ما هم عليه لا يقوى له إلا الرجال ولا يقوم به إلا من أخلص وجهه لله سبحانه وتعالى، هذان السببان هما:

1 -إن حكم قتال المرتدين أشد من حكم قتال الكفار الأصليين:

قال الغزالي في"فضائح الباطنية" (ص95) : والقول الوجيز فيه أنه يسلك بهم (أي الزنادقة الباطنية) مسلك المرتدين في النظر في الدم والمال والنكاح ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات، أما الأرواح فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي، إذ يتخير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال: بين المن والفداء والاسترقاق والقتل، ولا يتخير في حق المرتد، بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء، وإنما الواجب قتلهم وتطهر وجه الأرض منهم، هذا حكم الذي يحكم بكفرهم من الباطنية، وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم، بل نغتالهم ونسفك دماءهم، فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم. ا. هـ.

فالمرتد أحكامه في القتال أشد من الكافر الأصلي. وكذلك لا يجوز مصالحة ومهادنة وعقد الأمان للمرتدين، ويجوز مصالحة ومهادنة وموادعة الكفار الأصليين: - قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين، أو طائفة منهم لبعد دارهم، أو كثرة عدوهم أو خلة بالمسلمين (أي اضطراب أمور المسلمين) ، أو بمن يليهم منهم جاز لهم الكف عنهم، ومهادنتهم على غير شيء يأخذونه من المشركين، وإن أعطاهم المشركون شيئا قل أو كثر كان لهم أخذه. (الأم4/ 186) .

وجاء في"السير الكبير"وشرحه للشيباني بشرح السرخسي: وان لم يكن بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة، لأن الموادعة خير للمسلمين في هذا الحال، وقد قال الله عز وجل: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} . (5/ 1689) . وقال ابن قدامة: وتجوز مهادنتهم على غير مال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى. (المغني10/ 519) .

هذا في أحكام الكفار الأصليين فإنه يجوز للإمام وللمسلمين موادعتهم ومصالحتهم وبسط أحكام الموادعة وموجباتها مفصلة في كتب الأئمة، ويجب الوفاء لهم بهذا، ولا يجوز الغدر ولا الخيانة إلا أن ينقضوا العهد والمواثيق. أما المرتدون فلا يجوز موادعتهم ولا مصالحتهم، قال أبو الليث السمرقندي في"تحفة الفقهاء" (وهو متن كتاب"بدائع الصنائع للكاساني") : إن أخذ الجزية وعقد الذمة مشروع في حق جميع الكفار إلا مشركي العرب، والمرتدين، فإنه لا يقبل منهم الجزية، كما لم يشرع فيهم الاسترقاق. (3/ 207) . قال كاساني عند شرحه لما تقدم: بأنه لا يقبل من المرتد إلا الإسلام أو السيف لقول الله تعالى: {تقاتلوهم أو يسلمون} قيل إن الآية نزلت في أهل الردة من بني حنيفة ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعدما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختيار وشؤم طبع فيقع اليأس عن فلاحه فلا يكون عقد ذمة. (7/ 111) .

قال القرطبي: قال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب، وكذلك مذهب مالك، فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيا، أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا كائنا من كان إلا المرتد. (الجامع لأحكام القرآن 8/ 110) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت