فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 257

من المهمات العظمى لهذا الدين إخراج المرء من دواعي هواه إلى دواعي تحقيق العبودية لرب العالمين، ومن صور هذه المهمة أن الإنسان بطبعه تقصر نظرته إلى الواقع الضيق الذي يعيش فيه، ويكون همه أن تفرج عليه بمقدار هذا الواقع والهم الضيق، ويظن أن منتهى الطلب وغاية المنى هو تحرره من ضيقه الآني وحفرته الصغيرة، وهذا هو هم نفسه وغاية هواه، ولما يخرج المرء من هم نفسه وغاية هواه إلى مقصد الرب من نفسه وغاية الإله من ذاته فإنه وإن كان الإنسان المسلم في لحظة من اللحظات يعيش هذا الهوان وهذا الضيق فإنه متطلع إلى غايات عظمى ومقامات جليلة وهي مقاصد الرب التي تتلاءم مع قوته وعظمته، مع أن غايات الإنسان الضعيف تتلاءم مع ضعفه وعجزه.

فالمسلم في سجن من السجون، وهو يذوق أصناف العذاب ويلاقي أشد الهوان، فإن مقصده، بل أعلى مطالبه أن يخرج من هذا السجن ويعفى من هذا العذاب، ويظن أن ذلك هو غاية ما يمكن أن تبلغ رحمة الله تعالى به، ولكن من سمات هذا الدين ومن مقاصده أن يرفع نظره، ويعلي درجته غايته أن يقود العالم، ويحكم الدنيا وتخضع له الأرض، ويكون ذلك أمله وهو في هذه الحالة من الهوان، فهو يتعامل مع قوي عظيم قادر على كل شيء، ولا ينظر فقط إلى حالته وقوته هو.

عندما كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في أشد حالات العذاب والفتنة وهم في مكة، ويشكون له هوانهم على الناس، وألم العذاب وضيق الحياة، فهم في هذه الحالة وهم في شدة من أمرهم، وضيق بدني ونفسي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع أعينهم وهممهم إلى غايات لا يحلم بها الإنسان في هذا الموطن، ولا يتفكر بها، فالموشك على الموت من الجوع لا يرجو أطايب الطعام ولا أجوده ولا أرفعه وأعلاه ولكنه يحلم بقطعة خبز، فهذا منتهى أمله وغاية مطلبه، ولكن المؤمن يتعامل مع الله تعالى، فهو مدعو ليرفع همته، ولذلك كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم وهم في مكة وهم يشكون شدة العذاب فوق ما يحلمون ويرجون: (( والله لتسيرن الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها ولكنكم تستعجلون ) )، ويقول لهم في موطن آخر: (( والله لتفتحن كسرى وقيصر ولتنفقن أموالهما في سبيل الله ) )، كما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، فالصحابة رضي الله عنهم مشغولون بالحفاظ على أنفسهم لئلا تهلك وعلى أعراضهم لئلا تسبى وتنتهك ومع ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرهم بفتح فارس كسرى وروم قيصر.

وهذا أمر فيه الامتحان للنفوس والعقول فإن من في دينه شك وريبة سيقول: {غر هؤلاء دينهم} ، لأنه حينئذ ينظر إلى قوته ويتعامل مع هذا الدين من خلال نفسه لا من خلال واضعه رب العزة والجلال، وأما المؤمن فهو الموقن بموعود الله تعالى ويرقبه أيقع عليه أم أن الشهادة ستكون أقرب إليه من الوعد الإلهي؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت