فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 257

جرى بعض الباحثين على تسمية السجن بالمدرسة اليوسفية -نسبة يوسف عليه السلام- والحق أن القرآن لم يحك لنا شيئا عن أهمية السجن ليوسف عليه السلام، ولم يذكر لنا شيئا عن أثر هذه المدرسة -إن كانت مدرسة- على يوسف عليه السلام، بل الذي اهتم به القرآن هو:

1 -أن يوسف عليه السلام اشتغل بالدعوة إلى الله في السجن، ولم يشغله السجن عن هذه المهمة، بل كان يستغل أصغر الأمور ليوجه أنظار أهل السجن معه إلى تأليه الله وتوحيده، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ ألاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} يوسف.

2 -محاولة يوسف عليه السلام الخروج المبكر من السحن وذلك حين قال لصاحبه: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} يوسف.

3 -حمده لله تعالى أن أخرجه من السجن، قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ} يوسف.

4 -قبوله دخول السجن -إن كان لا بد منه- على تبديل المواقف وتغيير المبادئ {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} .

وهذه الأمور وغيرها ليس فيها شيء يتعلق بأن يكون السجن مدرسة، يتخرج المرء منها شهادة يتميز بها المرء عن غيره، ولكن مما لا شك فيه أن من دخل هذا الامتحان فصبر فهو خير من غيره ممن دخله ولم يصبر.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن نذكر هنا أن هناك مدرسة حديثة معاصرة، مقطوعة النسب، لا تلتقي في شيء مع منهج خير القرون، هذه المدرسة تدعو إلى غريب القول، وعمدة هذا القول يقوم على فلسفة تبرير الابتلاء كطريق على المرء أن لا يسعى للخروج منه بنفسه، أو يدافعه ويعاديه، وكان أول قطر هذه المدرسة كتاب يسمى"مذهب ابن آدم الأول"للسوري جودت سعيد، وهو يعد نفسه من مدرسة مالك بن نبي، ثم تتابع القطر فكان من عمد هذا المذهب كتاب آخر اسمه"ظاهرة المحنة"لخالص جلبي. تقول هذه المدرسة: إن سبب سقوط الحركة الإسلامية وعدم تقدمها إلى مواقع جديدة نحو أهدافها هو تبني الحركة للعنف ضد خصومها وانتهاجها العمل السري، فتبني الحركة للعنف والسرية أعطى لخصومها المبرر أن تضربها وتقضي عليها، والطريقة المثلى للخروج من هذا المأزق هي التالي:

1 -أن تبتعد الحركة الإسلامية عن نفسية الصدام ضد خصومها وأن تتعامل معهم كما تعامل ابن آدم الأول مع أخيه حين قال له: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} . وتطور الاحتجاج لهذا المذهب حتى وصل إلى الاحتجاج بطريقة غاندي ضد خصومة الإنجليز.

2 -على الحركة الإسلامية أن تجعل من السحن سبيلا إلى حالة جماعية بها يتم التثقيف والتربية ومن خلاله يتم مد الفكرة إلى الآخرين.

تنتهي هذه النظرية بالخلاصة التالية: أن الخصم سيمارس العقاب تلو العقاب ولن يحابه إلا بالسلبية في الرد، وبالصفح الجميل، وبعد أن يدرك الخصم أنك لن ترد عليه ستثور في نفسه عقدة الندم ويلقى السلاح ويولي منهزما، وحينئذ سيقع النصر الموعود ...

إن من غرائب الأقوال في هذا الزمان، وهو من الحادثات التي نبتت ولا يعرف لها سلف في التاريخ -سلف مؤمن أو كافر- مذهب غريب، يدعو للعجب من القول، يدعو إلى نبذ العنف ووسائله وأهمها السرية، والعنف والمقصود به الجهاد والقتال. يقول هذا التيار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت