بعد أن وصف الله تعالى المنافقين وأحوالهم، وذكر حركة الكافرين من الالتفاف حول المدينة، وبعد أن وصف الله تعالى عِظَم الزّلزلة على قلوب المؤمنين {هنالك ابتُليَ المؤمنون وزُلزلوا زِلزالًا شديدًا} أخبرنا الله تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم، وماذا كان تفسيرهم لحدث الأحزاب وكيف كان فقههم له، {هذا ما وعدنا الله ورسوله} ، إنّ جمع الأحزاب هو وعدٌ الله ورسوله?، وانظر أخي في الله تعالى إلى أدب الصحابة رضي الله عنهم حين سمُّوا الابتلاء وعدًا، مع أن لفظ الوعد يحمِل البِشارة وليس النِّذارة، والأحزاب نِذَارةٌ، فكيف سمّوا الابتلاء وعدًا؟!.
إنّ تسميةَ الابتلاء وعدًا من تمام الفقه والفهم، لأن وعود الله تعالى بحصول الخير، وقدوم البِشارات لا تتمُّ إلاّ بعد الابتلاء والتّمحيص، فحيث رأى المؤمن الابتلاء قادمًا إليه، فهو رابطٌ له ولا شك بما سيأتي بعده، وهو وقوع الوعد، لكن بعد اتِّخاد الموْقف الصّحيح، وفي كلامهم رضي الله عنهم موقِفُهم من الحدث، فحيث قالوا: إن هذا الابتلاء هو وعد لله تعالى، فهو موقف منهم أنَّهم سيصبرون عليه، ويعالجوه وفق أحكامِ الله تعالى، ذلك ليخرجَ من الابتلاء إلى الوعد، وإلا فإن الابتلاء سيكون مقدّمة الوعيد لا الوعد.
فهم رضي الله عنهم نظروا إلى نتيجة الابتلاء وخلاصته، وذلك من خلال موقفهم من الحدث، فالفتنة يسقط بها المرء، فتكون عذابًا على صاحبها كما قال المنافقون: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} فهؤلاء محجوبون بحجاب الهوى والشّهوة، وكذلك بحجاب البلادة والجهل، حيث ظنّوا أنّ الوعودَ الإلهية تقدم على أطباق الذّهب والفضّة، بلا امتحان وابتلاء، وبدون تمحيص واختبار، فحيث وقع البلاء زاغت قلوبُهم عن الحقّ، وخرجت منهم كلمات الشرِّ والسّوء، وأمّا المؤمنون فقد تذكّروا قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتِكم مَثَلُ الذين خَلوْا من قبلكم مسّتهمُ البأساءُ والضرَّاءُ وزُلزِلوا حتّى يقولَ الرّسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب} البقرة. فالوعود لا تأتي بلا مقابل، بل لا بدَّ من أن تأتي لمن يستحقّها {وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} وأنت أخي المسلم ترى أن الله فرّق في كلامه المجيد العظيم وصف المؤمنين حيث قال سابقًا: {هناك ابتُلي المؤمنون وزُلزِلوا} ، ثمّ وصفَ المنافقين ثمّ عاد سبحانه وتعالى إلى ذكر المؤمنين، وأظنّ أنّ حكمة هذا - وهو ذكر وصف المنافقين بين وصفٍ سابقٍ للمؤمنين ووصف لاحقٍ لهم - إنّما هو تبيينٌ لحال المنافقين وأنّ وجودهم بين المؤمنين هو الذي اقتضى ذكرهم بين وصفين للمؤمنين، وهناك نكتة أخرى وهي أنّ الوصف السّابق {زُلزِلوا} كان بين وصفين وهو وصف حركة الكافرين {إذ جاءوكم} ووصف المنافقين، فالزّلزلةُ الحاصلةُ للمؤمنين هي بسبب هذين العدوّين:
• الكافرين وقدومهم ..
• والمنافقين وخذلانهم وأراجيفهم ..
فالابتلاء قد وقع بين سندانٍ ومطرقة، سندان المنافقين ومطرقةُ الكافرين، وهذا من أشدّ البلاء وأعظمه، وكما سيتبيّن لنا أنّ الكافرين قد ذهبوا وبقيت فتنة المنافقين بين أظهُرِ المسلمين، فما أشدّ هؤلاء القوم على أهل الإيمان!! وما أقسى ما تعاني الجماعة المسلمة منهم!! بل {هم العدوّ فاحذرهم قاتَلَهم الله أنّى يؤفكون} . وحديث القرآن عن النّفاق والمنافقين طويل مسهب، ولكنّ معاناة المؤمنين من هذا المَرض لم تكن إلاّ في حال الجهاد والقتال، إذ أنّ النّفاق لا يُطِلُّ برأسه، ولا يجد لكلماته قبولاّ وصدى إلاّ عند وقوع الابتلاء والمحن، فحين تضطرب النّفوس، وتبلغ القلوبُ الحناجرَ يكون لأراجيف النّفاق موطنٌ ونوع قبول ... والنّفاق في القرآن على وصفين ومثلين.