عرض القرآن الكريم لنا نموذجا رائعًا لاستخلاص الشَّهد من بين ركام الاخلاط، وكان هذا العرض والتصوير مثلا حيًّا وحقيقيًا في تعليم الأمّة كيف يخلص هذا الخلوص، وكيف تتميز الصّفوف، وكيف تعرف مقاديرُ الرّجال، وهذا الحدَث التاريخيّ كما عرضه القرآن العظيم فيه الردّ الجليّ الواضحُ على الطّرق المُبتدعة في إعداد الكوادِر، أو صنعِ الكفاءات، إذ أنّ الكثير من أصحاب الأفكار الهجينة المعاصرة يطرحون طريقة بدعيّة أو طرقا بدعيّة في الأمة، وهم في دعواتهم هذه التي سيتبيّن لنا أمرها وحقيقتها إنما هم يفرغون الشباب المسلم من الطاقات الإبداعية الحقيقيّة.
يحاول أصحاب التربية المزعومة أن يوجدوا الأدلّة على طريقتهم في صنع الأمّة، ورجال الأمّة، وتراهم يصرخون في كل وادٍ أنّ الأمّة والشّباب المسلم بحاجة إلى تربيةٍ وإعدادٍ قبل أن يوضع في معترك البلاء والامتحان، ولعلّ أبرز أدلّة هذا التيار البدعي هو احتجاجهم بحادِث طالوت عليه السلام، وها نحن نعرض هذا الحادث كما صوره القرآن ليتبيّن بجلاء أبلج أن هذا الحدث عليهم لا لهم، وهو في الحقيقة عُمْدةٌ من عُمد حركات الجهاد، ودليلٌ من أدلّتها أنّ حركة الجهاد هي التي تربي الأمّة وتُبرز القيادات، وتعرّفنا بمقادير الرجال.
في سورة البقرة حديث مطوّل عن بني إسرائيل، وكان من كلام الله تعالى في هذه السّورة عن بني إسرائيل بعد موسى عليه السّلام [البقرة من آية 246 - 252] : {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله} وفي الآية كما نرى أنّ الذين طلبوا الملك هم"الملأ"، والملأ في القرآن وصف لا ترتاح له النّفس، فبمجرّد ذِكر الملأ وإطلاق هذه الصِّفة على قوم تتوجّس خيفة، وترتقب أوصاف شؤم وقبح (راجع كلمة الملأ في القرآن الكريم) ، وليس من عادة الملأ أن يطلبوا خيرًا، وإن طلبوه فهو لأمر خبّئ في أنفسهم، وأنا هنا لا أدري لماذا فرّق الملأُ بين النبيّ والملك المقاتل، وسنّة الله جاريةٌ في الأنبياء سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم أنّ النّبيّ في أتباعه هو الحاكم والقائد والقاضي، وكان هذا الأمر في بني إسرائيل أوضحَ وأجْلى، والحديثُ النّبويّ يشهد لذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ) )فهل هذا الطّلب المشروط في الملأ مقدّمة لنعرف أنّ الذين طلبوه هم"ملأ"، لا يخرجون عن هذا الوصف وإن تزيّنوا بغيره، هذا أمرٌ يحتاج إلى بحثٍ ونظر وإن كان هذا هو الذي تطمئنُّ إليه النّفس في هذا الوقت، بل إنّ هذه السّرعة في كشف حقيقتهم في ختام الآية تنبئك عن هذا الذي قلناه، قال الله تعالى: {فلمّا كتب عليهم القتال تولّوا إلاّ قليلًا منهم والله عليم بالظالمين} .
ثمّ جاءت الآيات تكشف لنا هذا الإجمال وكيف تمّ فرض القتال وكيف سار الحدَث واستقرّ على حاله.
{وقال لهم نبيّهم إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكًا قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} .
هذا الكلام الربّانيّ يؤكّد لنا أنّ الابتلاء كان للملأ، الملأ الممتلئ مالًا .. الملأ طلبوا ملكًا. ولمّا كان الله عليمًا بالظّالمين، فهو قد علم سبحانه أنّ هؤلاء القوم يطلبون ملكًا فقط، لا ملكًا مقاتلًا، وعُمْدة الحقِّ لديهم في إقرار الملك وقبوله هو أن يكون ممّن له سعة من المال ولو حاولنا تصوّر النّفسيّة الحقيقيّة للملأ، ومحاولاتهم الزّائفة والذّكية في ستر مبرّر القتال لاتّضح لنا الشيء الكثير، فهم طلبوا أوّلًا: {ملكًا نقاتل في سبيل الله} ، ولمّا حاججهم النبي وذكّرهم بعورات نفوسهم .. {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاّ تقاتلوا} فكان جوابهم على قوله هذا مؤكدًا لما قال: وهو أنّ ما علمْت من أنفسنا حبّه والشّغف به هو سبب طلبنا للقتال {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرِجنا من ديارنا وأبناءنا} .
إنّه حديث الملأ، وهو حديث لكشف الملأ، وهذه المقدّمة تدلّك على ما سيأتي وراءها من أحداث تكشِف الملأ على حقيقتهم.