الآرائيون المنهزمون أمام حضارة الشيطان الحادثة، الراغبون بليّ الشريعة وتغيير أحكامها لتوافق هذه الحضارة، لهم طرق وأساليب في تحرير أفكارهم وفقهم الغريب، وهؤلاء القوم يستقر في قلب أحدهم الحكم ويشتهيه ثم بعد ذلك يتوجه شطر كتب الفقه ليبحث له عن قول يوافق رأيه، وهؤلاء القوم ترى في أحكامهم وأبحاثهم أنه ليس لهم ضابط يضبطهم، ولا قاعدة يتعاملون معها، ولو أراد المرء أن يستخرج أصول فقههم من الفروع التي يتبنونها ويعتنقونها لخرج بالعجب العجاب، وليت أحد الباحثين -وأتمنى أن أفرغ لهذا- يقوم باستخراج الأصول من الفروع -على طريقة الأحناف- من كتاب راشد غنوشي"الحريات العامة في الدولة الإسلامية"وكتاب"الجهاد في الإسلام كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟"لمحمد سعيد رمضان البوطي، وكذا فهمي هويدي والغزالي والقرضاوي والإخوان المسلمين على الجملة، وإني لأجزم أنه سيخرج بنتائج مذهلة، وبقواعد أصولية ما قالها أحد من قبل، وإن كان أكثرها يقوم على قاعدة التلفيق والحيل، لكن بنظرة سريعة نستطيع اكتشاف بعض قواعدهم وأصولهم العجيبة، وها أنا أمر واحدة منها.
يكثر الآرائيون المنهزمون الاحتجاج بالعمومات، وخاصة القواعد الفقهية للتدليل على أحكامهم المتبناة والعجيبة جدا، وحتى لو أتى أحدهم بقول لم يأت له فيه سلف فإن قاعدة"لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"سعة لهم ليقولوا تحتها ما يشاءون وما يستحسنون وما يشتهون!!، وإن كان ثم حركة أو فقه جديد توافق هوى القائد أو الرئيس أو الحزب والتنظيم، فإن باب المصلحة مخلوع الأبواب، مهدم الجدران يتسع لكل حكم، وقاعدة:"حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله"فيها السعة أن ننسب لشرع الله ما نريد، والحقيقة أن الخلاف بين هؤلاء القوم -الآرائيون المنهزمون- وبين العلمانيين خلاف لفظي فقط، فما من باقعة وطامة ومصيبة تفعلها الأحزاب العلمانية إلا وهذه الأحزاب والشخصيات والمفكرون الآرائيون قد أتوا بها وفعلوها، وقبل ذلك نسبوها لشرع الله تعالى، أي ازدادوا ظلما على ظلم وهو التقول على الله تعالى {ويقولون على الله ما لا يعلمون} والفارق بين الطرفين هو إسناد هذا الحكم، فالعلماني منسحم مع نفسه عند نسبته الحكم لمصدره، حيث يقول: هذا حكم اقتضته المصلحة الإنسانية، والإنسان مصدر الأحكام، فهو حكم صحيح. وأما هذا المنتسب للإسلام فيدخل الإسلام في وسط معادلة، ولكنها تبقى ثابتة (أي المعادلة بطرفيها) المقدمة والنتيجة، ولكن يقول: وحيث ثبت هذا فالإسلام يقر ذلك ويقول به، فأعطى هذا الحكم غطاء شرعيا، ولذلك أنت ترى أن الفجوة الفكرية والعلمية ثم النفسية بين هذين الطرفين صارت ضيقة بل هي قد تلاشت، فالترابي والغنوشي والبوطي والإخوان المسلمون وغيرهم. والكثير صارت برامجهم متحدة مع خصوم الإسلام العلمانيين، وصارت تجمعهم المؤتمرات والشعارات والبرامج والتحالفات، ولقد كانت بعض المؤتمرات صدمة هائلة لدى هؤلاء العلمانيين حيث صاروا يسمعون أن الخلاف بينهم وبين الإسلاميين خلاف مفتعل أوجدته القوى الأجنبية لضرب الوحدة الوطنية والمصلحة العليا للوطن، نعم: فعندما حضر جورج حبش ونايف حواتمة وكثير من قادة الكفر في المؤتمر القومي الشعبي الإسلامي صُدموا من خطاب حسن الترابي، حيث تطوع بإضفاء صفة الوطنية والقومية والنضال عليهم، وضيّق الفارق بين الإسلاميين وبينهم.
ولعل الظاهرة الأخيرة في ترشيح محفوظ النحناح على منصب الرئاسة الجزائرية كشف للناس عدم وجود الفارق بين سعدي ونحناح وزروال وبوكروح، كلهم يتكلم بنفس التطلعات والأحكام التي يريد نشرها، والعمل على تحقيقها والفارق الوحيد بين نحناح وبين البقية هو استخدام النحناح لغة الإسلام في جذب الجمهور، وتركيبه اللحية على ذقنه، فالبرامج واحدة والأحكام واحدة، فقط النحناح لا ينسى أن يزين خطابه بشيء من النفس الإسلامي، ولكن لا فرق جوهري، وعلى ضوء هذا فإنه يحق للعلمانيين (الصلبين) اتهام الإسلاميين بالوصولية، واستخدام الإسلام لمقاصد شخصية ولمآرب ذاتية، لأن العلماني لا يرى عند الإسلامي!! قيما جديدة يطرحها، ولا مفاهيم محددة تفترق عن الآخرين يدعو إليها.