فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 257

لما بدأ الشباب المسلم يتساءل عن هذا الكم الهائل من المفكرين، وما هو السلطان الذي ملكوه ليتكلموا في دين الله كما يشاءون؟ وهل يحق لهؤلاء المفكرين أن يقودوا الحركة الإسلامية ويتهادوا بها بين خطر الحياة ودروبها؟ ولكن هذه الأسئلة وللأسف قد بدأت بعد أن تشرب الناس من الشباب المسلم أفكار هؤلاء القوم، واصطبغت عقليتهم بالصبغة التي يتحدث بها المفكر، وهي صيغ أقل ما يقال عنها أنها لا تتحدث كما تتحدث الشخوص المهتدية في القرآن الكريم، حيث فقد هذا التيار عبارات الشرع المحكمة، وتغيرت موازين الحكم والقضاء في رحم هذه العبارات، فبدل أن يتحدث الناس (الشباب المسلم) عن الجهاد، بدأوا يتكلمون عن الثورة، والكفاح السياسي، وبدل أن يلقوا على الناس عبارات: العبودية والعبادة صاروا يتحدثون عن الواجب الوطني، والحس القومي، والضرورة الاجتماعية، وبدل أن يستخدموا دوافع محبة الله، والخوف من الله، ورجاء الدار الآخرة، صار الحديث عن: مكتسبات الحركة، والأمن الاجتماعي، والأمن الغذائي، ووحدة التراب القومي، وبدل أن يتحدثوا عن حق الله المفقود بتطبيق شرعه وحدوده صار حديثهم عن الحرية الاجتماعية، والعدل الاجتماعي، والظلم، والدكتاتورية.

فهذه العبارات تبين فقدان الاقتداء بحركة الهداة والدعاة كما شرحها القرآن الكريم.

اقرأ هذا النموذج:"إن الحركة الإسلامية ليست حركة فئة معينة من الشعب، إنها ضمير الأمة المتحرك وأعماقها الثائرة، ومن ثم فهي ترفض مقولة الصراع الطبقي، وتعتبر أن الإسلام، والإسلام وحده قادر على إزالة كل ألوان المظالم والاستغلال داخل المجتمع، ولكن في مجتمع لا يطبق الإسلام حقيقة، تتولد الفوارق الطبقية والحركة عندئذ تجد نفسها في صف الفقراء والمضطهدين كما كان النبي عليه السلام يفعل إذ يرفض الأغنياء الجلوس مع الفقراء فينحاز إلى الفقراء بأمر من الله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد الحياة الدنيا} ولقد استطاعت الحركة الإسلامية المعاصرة أن تحرر إلى حد ما الإسلام من الطبقة الحاكمة". انتهت العبارة عن كتاب مقالات لراشد الغنوشي التونسي، ومثلها: وما كان للإمام الخميني أن تلتحم القوى الشعبية في إيران وتسلمه قيادتها وتجن حتى الموت ... وما كان له أن يطوي كل أحزاب المعارضة ورجال الدين فيدفعها مرة أمامه ويجرها أخرى لو لم تجسد حركته أمل الجماهير العريضة في التحرر والعدالة والعزة والاستقلال، وكذلك المودودي فقد رسم للشعب الباكستاني خطة الحرية والعزة والاستقلال، فاستجابت له الأمة. ا. هـ.

هذا الخطاب المصاغ له مشكاة لن تكون أبدا من مشكاة القرآن والسنة، حتى الآيات القرآنية التي يستشهد بها، لا تعود إلى المناط الذي سيقت من أجله، فالآية التي استشهد بها النموذج المتقدم لم ترد أبدا لبيان انحياز النبي صلى الله عليه وسلم إلى صف الفقراء ضد الأغنياء، بل انحياز النبي صلى الله عليه وسلم لصف {الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} .

فتكرار هذا النوع من الخطاب أفقد العبارات القرآنية والنبوية نضارتها وحضورها في نفسية الشاب المسلم المعاصر، فأين عبارات: الإيمان، والتوحيد، والكفر، والردة، والجهاد، والشيطان، والخير، والشر، والفسق، والذكر، والإنابة، والإخبات، والحب، والولاء، والبراء، وغيرها من العبارات التي تحمل في داخلها المفاهيم الإسلامية كما تعامل معها السلف.

أصبح الشباب المسلم بعيدا كل البعد بسبب هؤلاء المفكرين (الآرائيين) عن هدي الكتاب والسنة، وقد اكتشف بعضهم فقدان هذا الخطاب الآرائي أثره على قطاع من الشباب، إذ بدأ الشباب ينفلت من حركة المفكرين المنحرفة، وصار يتوجه إلى ما يسمى بالكتب الصفراء، وأسباب هذا الاكتشاف، وعوامل تنميته له جوانب كثيرة ليس هذا مجال ذكرها، لكني أستطيع أن أقول إن أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم كتب الشهيد سيد قطب كان لها الأثر القوي في هذا الاكتشاف وإحياء الخطاب الشرعي الصحيح الملائم للحق القرآني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت