فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 257

لقيادة: العلماء والجهاد

لقد كانت صور الصّحابة تتنوّع وتختلف في قدراتهم ونماذجهم ولكن كان هناك شيء واحد يجمعهم جميعًا بلا استثناء، ورابط يحوزهم بلا شذوذ، هذا الرّابط هو الجهاد في سبيل الله تعالى.

بل إنّنا نرى أنّ أغلب مسائلِ العلم التي علّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم- سواء كانت في التّجارة أو بقيّة الأحكام - إنّما تعلّمها الصّحابة رضي الله عنهم وهم في حال الجهاد في سبيل الله تعالى.

وأنا لا أستطيع أن أُكثر الأمثلة، أو أستوعب بعضها في ذكر النّماذج التي تشهد لهذه القاعدة، أو لهاتين القاعدتين، لكنّي أدعو طلبة العلم وغيرهم إلى فتح وقراءة صحيح البخاري مثلًا (وهو أفضل نموذج لما أقول) ، ويقرؤوه بتمعّن وتدبّر، ويحاول كلّ واحد أن يجمع سبب الحديث الوارد، بمعنى أن يذكر الزّمن الذي قيل فيه الحديث، وأين قيل، وسوف يرى أنّ أغلب مسائل الفقه في عموم الحياة كانت تقالُ في الجهاد في سبيل الله تعالى، وهاك بعض الأمثلة:

* قوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه في ترغيبه أن يتزوّج البكر: (( هلاّ بكرًا تلاعبك وتلاعبها ) )، قالها صلى الله عليه وسلم خلال قفلةٍ من غزوة.

* فقه التّيمّم من الجنابة أُخذ من حادثةٍ في غزوة.

*حكم زواج المتعة، كان كلّه في الغزو من تحليل وتحريم مؤبّد.

* جواز شركة الأبدان أُخذ من حديث يتعلّق بجواز الشّركة بين المجاهدين في الغنيمة.

والأمثلة أكثر من أن تحصى، وهي تدلّ دلالةً واضحةً أنّ عمل الأمّة التي ينبغي أن تعمل به - وكلّ عمل آخر هو تبع له - الجهاد في سبيل الله تعالى.

ولمّا كان عمل الأمّة بمجموعها -إلاّ من استثناه الشّارع الحكيم سبحانه وتعالى- هو الجهاد في سبيل الله، فكان المقدّم فيها هو أتقنهم لهذا العمل، وأكثرهم قدرةً على خوضِ غماره، فكان المُقدّم هو المجاهد في سبيل الله تعالى، وهكذا كان حال قادة الأمّة من خلفاء وأمراء، فلا يوجد خليفةٌ في تاريخنا الطّويل إلاّ وكان مقاتلًا مجاهدًا، وفي أعلى مرتبةٍ من مراتبِ هذا العمل العظيم.

هارون الرّشيد، هذه الشّخصيّة العظيمة، والتي ملأها الكذّابون أخبارًا مزيّفة عن بذخه ولهوه وقصفه، لو علموا حقيقته، لخجلوا من أنفسهم أشدّ الخجل، ولكنّهم في الحقيقة لا يخجلون.

هارون الرّشيد كان يغزو عامًا ويحجّ عامًا، وكان ينام على حصانِ جهاده حتّى تقوّست رجلاه من كثرة ركوبه عليه، ومات وهو في غزوة"الصّائف"جهة المشرق، وهو يجاهد في سبيل الله تعالى. لو قال قائل: لكنّه كان كثير المال، عنده الجواهر بالأطنان، والذّهب بالأرطال، والمال لا يُعَدّ بين يديه. قلنا له: صدقْت وهكذا كانت الأمّة، غنيّة مثلهُ، فلم يكن غنيًّا وأمّته لا تجد لقمة الخبز، كما هو حال الظّلمة والمتكبّرين، ثمّ قلنا لهم كذلك، هذا كلّه من فضل الله تم بالجهاد في سبيل الله، حيث أورثه الله تعالى بالجهاد ديار الظالمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( جعل رزقي تحت ظلّ رمحي ) ).

نقول هذا الكلام ردًّا على من يحاول أن يبحث عن القيادة الصّحيحة الحقّة للتّجمّعات الإسلاميّة، وكذا التّنظيمات والتّكتّلات، فلن نستطيع شئنا أو أبينا أن نفرز قيادة حقيقيّة إلاّ في الظّرف الصّحيح لهذا الإفراز، هذا الظّرف هو الجهاد في سبيل الله. حين يبرز قائد تلتقي حوله الجماعة في ظروف الشّدائد والأهوال، والمصابَرة والمكابَدة، وهي ظروف قاسيةٌ، تكشف المعادن على حقيقتها، حينئذٍ يكون معدن القائد خالٍ من الشّوائب والكدَر، فهُو قائدٌ حقيقيّ يستحقّ هذا المنصب، بل المنصبُ يتشرّف به ويفخر، لكن في زمن الدّعة والخمول، وفي زمن المهانة والرّذيلة، وظروف الخسّة والعار، يأتي لنا شيخٌ معمّم جلّ ما يملك هو إتقانه صنع الكلمة الحماسيّة، أو المنمّقة، فيأسرُ ألباب السّامعين، فيسارعُ الغثاء إلى تسييده وتأميره، فهل هذا هو الطّريق الحقيقيّ في اكتشاف القيادة الصّائبة؟ أو حين يَطْلُع علينا رجل ملك البريق الدِّعائيّ، سواء بقدرته على إنشاء مجلة أو نشرة أو جريدة، بها واستطاع أن يشرف على الناس، فيعرفونه كاتبا مرموقا، أو سياسيا خبيرا، فهل هذا هو الطريق الصائب للقيادة الحقيقية؟.

هذه أمثلة وعليك أن تقيس عليها، لتعلم أن القيادة الحقيقيةَ إنما تُعلم بالجهاد في سبيل الله تعالى، في زمن الصِّعاب والشدائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت