فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 257

لو أراد باحث منصف أن يرى خصيصة تميز بها الصادقون في هذه الأمة، وشارة جمعت العلماء الأفذاذ لرأى بكل وضوح أن هذه الخصيصة والميزة هي الابتلاء، وهذا مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ) ).. و (( يبتلى الرجل على قدر دينه ) )، ولكن ما يلاحظه المرء كذلك بوضوح أن وصول القيادة في هذا الزمان، واعتلاء منصة الزعامة (أعني في الحركات الإسلامية) هو طريق لا يمر أبدا عن طريق الابتلاء والامتحان، بل يمر عبر طريق لا يعبر بحق عن صدق الرجل وانتمائه لهذا الدين.

وعلى ضوء هذا يجوز لنا أن نسأل بعض الأسئلة البريئة مع بعض المقدمات الضرورية:

1 -الذين يطالبون الأمة باحترام العلماء لكونهم ورثة علم السلف، ولكونهم رفعوا راية السلف، لو قلنا لهم التالي: لماذا كان ينتهي أمر السلف دوما بالسجن أو القتل أو النفي مع أنهم يعيشون في ظل دولة إسلامية؟، ولماذا زعماء وزاعموا وراثة السلف ينتهي بهم الأمر في دولة مرتدة كافرة أن يكونوا وزراء ومقربين عند قادة هذه الدول؟ هل انقلبت السنة الكونية في حقهم؟ أم أن الجواب يكشف عوار ممثلي راية السلف المزعومة؟.

2 -الذين يريدون أن يصفوا الصف المسلم من المنافقين والوصوليين ديدنهم الحديث عن كشف ما هو مكشوف، وفضح ما هو مفضوح، أي ما فضحه الخصوم لانتهاء مهمته، فلماذا لا يمارسون فنونهم العبقرية في كشف ما لم يكشفه الخصوم، وفضح ما لم يفضحه أهله؟

3 -إن إطلاق الشائعات الصبيانية في حق الخصوم يتقنه كل جاهل وموتور، لأنه سلاح تستجيب له الأمم الغبية الجاهلة، وهو لا يملك قوة دفع كما يملك قوة إثبات، فإذا قيل عن أحد أنه مخترق فهو لا يستطيع دفع التهمة، ولكنها قمة أدعى للقبول في زمن العجائب والصغائر.

لماذا حين تطلق الشائعات لا يذكر معها الرهان الذي أمر الله عز وجل بإقامته عند كل دعوى؟!.

أمام هذا الواقع المرير، وهو واقع يفرز ولا شك السلبيات أكثر مما يفرز الإيجابيات، لأن المُلك فيه للشيطان وحاشيته، وهو يدفع بضلالاته بقوة نحو المجتمعات، أمام هذا الواقع ما هو السبيل الأقوم لإفراز الثقات، ومعرفة حقائق الرجال دون لبس وتزوير، كذلك دون هروب من الحقيقة نحو الرمل للاختفاء؟.

إن الجواب على هذه الأسئلة يدعونا أن نرجع إلى النموذج المحتذى في تعريفنا بمنهجهم في معرفة الرجال وأحوالهم وقيمتهم.

لقد كان في الصحابة رضي الله عنهم علماء، وكان فيهم الأعرابي البوال على عقبيه (كما قال الذهبي) .

لقد كان في الصحابة رضي الله عنهم الأثرياء، وكان فيهم من يقع في صلاته لشدة فاقته وفقره.

لقد كان في الصحابة رضي الله عنهم الشاعر البليغ، وكان فيهم العيي.

لقد كان في الصحابة رضي الله عنهم الصانع الخبير، وكان فيهم من يخسر في كل تجارة يمارسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت