جاءت الاشتراكية بارتباطها العقدي وطريقتها الاقتصادية وزورت لباسها على المسلمين بهذا التفريق (أي التفريق بين العقيدة والطريقة) ، ومع أنها في بداية الأمر ككل المذاهب والنحل الوافدة طرحت نفسها بصورتها الحقيقية وبأبعادها الشاملة فلما سل عليها حكم التكفير والزندقة عادت لتتخفى بهذا التفريق المذكور، فانطلت الحيلة وصار الإسلام اشتراكيا أو بالمصطلح الذي ذكرناه: أسلمت الاشتراكية، وبالتالي أصبح الإسلام: الطريقة =صوفية، الحكمة = فلسفية، الاقتصاد= اشتراكية.
ثم جاءت الديمقراطية، وكانت عند أصحابها دينا إنسانيا لها بعدها العقدي (الأيديولوجي) ولها بعدها السياسي الليبرالي، وكما قال الأوائل عن الصوفية الأولى وعن الفلسفة الأولى أنها كفر وزندقة، وسلت عليها سيوف العلم والجهاد، حيث قالوا عنها أنها دين جديد له كل خصائص الدين، وأنها طريقة وعقيدة، عادت وتخفت وخرجت لنا بالثوب الجديد، وهو التفريق بين الديمقراطية كدين وبين الديمقراطية كوسيلة (طريقة) ، مع أن ارتباط الحقيقة (العقيدة) بالطريقة (الوسيلة) هو ارتباط حتمي وعضوي، والتفريق بينهما هو تزوير للحقيقة والواقع، لكنهم بعد هذا التفريق صيروا الإسلام ديمقراطيا أو بالتعبير السابق: أسلمت الديمقراطية.
هل يمكن تصور عدم تأثر العقيدة مع تغير الطريقة؟.
الجواب ابتداء: لا وألف لا، فإن هذه الطريقة هي طريقة خداعية لتمرير القضية خطوة خطوة، وهكذا مذهب إبليس وطريقته - خطوات الشيطان - فعندما يرفض الناس المذهب جملة واحدة فلا مانع من إعطائه لهم جرعات متفرقة بدءا بالأخف وانتهاء بالأشد.
نعم استقرت الصوفية في الإسلام، وصارت هي الإسلام، والإسلام هو الصوفية، وليس من حرج أن نكرر مرة أخرى -أسلمة الصوفية أو تصوف الإسلام- ولكن هل استقرت الصوفية في الإسلام كطريقة فقط، أم أنها بعد ذلك حملت الناس من الطريقة إلى العقيدة؟ لقد استعملت الصوفية التقية في موضوع العقيدة، وبقيت تظهرها بعد أن يبلغ المرء منتهى الاستسلام، ولذلك ليس مستغربا أن يأتي لنا شيخ محدث مثلا ليجعل عقيدة الإسلام هي وحدة الوجود، انظر كلام الغماري في شرحه حديث (( من عادى لي وليا ) )ورده على الإمام الذهبي -والشيخ من المعاصرين-، هذا غيض من فيض، لقد سيطرت الصوفية بعقيدتها مع طريقتها على عقائد جملة من الناس تحت اسم الإسلام والاهتداء بالكتاب والسنة.
وكذا فعلت الحكمة الفلسفية، أدخلت المنطق إلى طريقة التفكر والنظر، واستقر المنطق في كتب العقائد، (انظر شرح المقاصد) واستقر بعد ذلك في أصول الفقه، وبعد أن تم لها هذا لم تجبن في عرض عقيدتها بعد أن صار لاسمها الاحترام والتقدير، فانتهى الأمر أن العقيدة الفلسفية هي نفس العقيدة الإسلامية. (انظر"تهافت التهافت"لابن رشد)
والآن جاءت الديمقراطية: المشايخ يطرحونها باعتبارها طريقة حكم، ووسيلة سياسة، ويفرقون بينها وبين عقيدتها (العلمانية) ، ويقولون إن الديمقراطية هي لب الإسلام وجوهره، حتى أن الشيخ المعمم يوسف قرضاوي لم يخجل من القول إن الإسلام يستوعب الديمقراطية بكل تجلياتها.
ولكن، هل هؤلاء في الحقيقة لا يعتقدون عقيدة الديمقراطية؟ الجواب يظهر من تصريحاتهم وبياناتهم وأنهم صاروا يعتقدون العقيدة الإنسانية التي تعطي الإنسان استقلالية حياته في هذه الدنيا عن الغيب والآخرة.
صار الإسلام إنسانيا أي لم يعد الإسلام الذي عرفه الصحابة رضي الله عنهم، والذي جعل هذه الدنيا محطة للآخرة، وأن الإنسان عبد الله، بل صارت الدنيا هي غاية المنى وعلى ضوء أحكامها ومصالحها يستنبط الناس الأحكام والتشريعات دون النظر إلى المقصد ا لأخروي.
وكما حارب الناس قديما من حارب الصوفية، وكما حارب الناس قديما من حارب المنطق وعلم الكلام فها هو التاريخ يتجدد على هذا النسق مع الديمقراطية، إذ صار المسلم المتنور والمفكر الذكي الواعي والمستنير هو المفكر الديمقراطي، وحتى الذين يعرفون منشأ الأسلوب (الطريقة) الديمقراطية، ويعرفون منبتها وعقيدتها فإنهم يفرقون بين العقيدة والطريقة، وهذا عندهم منتهى الأصولية، أي أننا أمام نوعين من المسلمين: مسلم يؤمن بالديمقراطية وجميع تجلياتها، ومسلم يؤمن بالطريقة ويكفر بالعقيدة، لكنا نقول كما قال سلفنا: كلاهما كفر وردة وحكمنا فيهم أنهم زنادقة.