فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 257

إن من بين المعوقات التي تمنع الكثير من طيبي القلوب وحسني النية من متابعة تأييدهم ومشاركتهم للأعمال المؤثرة في حياة البشر هو أنهم يعيشون حالة من التسامي مع الأفكار والمبادئ، ويشعرون بجمالها وهي تحاور على الورق أو تناقش في الندوات والجلسات الممتعة، لكنها حين تخرج من حيز القول والاعتقاد إلى عالم التطبيق والحقيقة فإنهم يصابون بالصدمة النفسية إذا لم يكونوا يربطون بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعية والعملية، وهؤلاء على الدوام يخسرون التأثير وكذلك يكثرون اللوم والتقريع.

حين يأتي شيخ ويتحدث عن حكمة وعظمة التشريع في حد الزاني المحصن، وأن الرجل أو المرأة يشدان إلى ثيابهما ويوضعان في وسط الناس، وتحضر لهما الحجارة فيقوم الناس برمي الزاني والزانية بهذه الحجارة حتى يتم موتهما، هذا المنظر بكل انفعالاته الواقعية، وبكل ما يحمل من مدلولات وتأثيرات على النفس، إذ عليك أن تتصور صراخ المحدودين ونزيف الدماء، وصياح الناس، وتفاوت النفوس في رؤيتها لهذا الحدث، فهذا محب للمرجوم فهو يبكي على حالته، وقد تضطرب نفسه فيصاب بما يصيب أمثاله إن كان من ضعاف النفوس في موقفه أمام هذه الأحداث فقد يشهق شهقة، وقد يرتفع عويله وصراخه فيقع منه الهذيان، وقد يجتمع أطفال الزانية أو أولاد الزاني فيبكون فقيدهم، مثل هذه الصور قد لا يستطيع الشيخ الذي يتحدث عن عظمة التشريع وحكمته أن يواصل النظر إلى الحدث حتى نهايته، وقد لا يطيق رؤية الدم وهو يخرج كالنافورة من رأس المرجومة فيصاب بالغثيان أو يخر صريع الغيبوبة، فهناك فارق كبير بين جمال الأفكار وبين واقعيتها.

حين يتحدث الناس عن الجهاد في سبيل الله تعالى، فهذه كلمة جميلة وجميلة جدا - الجهاد في سبيل الله تعالى - ولكن واقع الجهاد ليس جميلا كله في كل أحداثه، فالجهاد ليس هو هذه الخطب الرنانة، وليس هو تلك الكلمات الجميلة، وليس كله غنائم وسبايا، وليس كله نصر مؤزر، وليس كله خطب نارية، بل فيه موت الحبيب، وفيه جرح الصديق، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال، وفقد المعين، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقة، بل المشقة العظيمة، ثم فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين الناس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شط على هذا، فهو حركة بشرية، وفيه أخطاء واجتهادات، وتأويلات بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حد فاصل بين جمال الفكرة وسموها وبين واقعيتها.

لو أخذنا تصور الناس وخيالهم لواقع الدولة الإسلامية، لوجدنا أنها أقرب ما تكون في أذهانهم إلى عالم الأحلام، عالم مليء بالصور الجميلة، والفراشات الطائرة، والألوان الزاهية، والسماء تنزل غيثها على الدوام، والضرع مليء في كل حين، والأعداء يخافون جانبنا لما يعلمون من نزول الملائكة معنا في القتال، فهم يتصورون دولة الإسلام التي لا فقير فيها، ولا مريض فيها وكل من طلب شيئا فهو بين يديه، ولكن لو نظرنا لدولة النبي صلى الله عليه وسلم لما وجدنا هذه الجنة، بل لوجدنا أن معاناة الصحابة رضي الله عنهم في دولة الإسلام في المدينة أشد من معاناتهم وهم في مكة.

فهل حصل للصحابة رضي الله عنهم في مكة ما حصل لهم في غزوة الخندق {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} في دولة الإسلام زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وابتلاء كالزلزال بل هو الزلزال نفسه.

قارن بين هذه الصورة وبين الصورة التي يحاول رسمها مشايخ هذا الزمان لدولة الإسلام، فهم يعدون الناس بالدولة التي لا خوف فيها ولا مشقة، بيت لكل إنسان، طعام لكل بطن، والناس يدخلون في الإسلام لمجرد رؤيتهم لنا ولدولتنا، وعلى هذا فالناس يأتون إلينا (إلى جماعتنا) لأن في أذهانهم أننا الحزب الذي سيؤمن لهم من النعيم الدنيوي أكثر مما تؤمنه الأحزاب الأخرى.

لكن لو قلت لكم: إن ثلاثة من الخلفاء الراشدين ماتوا قتلا، وعلى يد أناس لم يحتاجوا لكثير من التخطيط لقتلهم:

-فعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتله عدو الله أبو لؤلؤة المجوسي وهو قائم في صلاة الفجر، بين يدي شيوخ المسلمين وعلمائهم وقادتهم ورؤسائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت