والآن كيف صور القرآن صراع الحق والباطل (السحر) :
1 -قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل ليدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون} .
فالحق قذيفة، ولا يكون إلا كذلك، لأن فيه من عوامل القوة الذاتية التي أودعها الله فيه ما يجعله كذلك. وكذلك قوله تعالى: {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى} طه.
2 -قال تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} الإسراء.
ففي هذه الآية بين الرحمن سبحانه وتعالى حال الحق حين يظهر أمره بعبارة"جاء الحق"وهي عبارة تلقي في النفس ظلال الحركة الحقيقية التي لا تحمل جهدا عظيما، ولا تكلف عملا شاقا، بل هي مسيرة طبيعية."جاء"على الرغم أن الآية الأولى بينت أن حركة الحق هي حركة (قذيفة) ، وهي تجد مسرعة في حركتها لتزيل الباطل وتدمره. وليس بين الآيتين تعارض، بل كل حرف في الأولى يشهد لكل حرف في الثانية ويشبهه، وهذا معنى قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} الزمر. لكن الباطل في الآيتين (زاهق، زهوقا) : وهي تعني خروج النفس والروح، واضمحلال أمره وخضوعه لغيره، وهي لفظة تثير في النفس حقيقة هذا الباطل، وأنه سريع الزوال لا روح له ولا دوام، قال ابن القيم: واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم الحياة وعدم البصر. ا. هـ، فهذا هو الباطل إذ يعني غياب الحق، فإذا جاء الحق (على صورة قذيفة) فإن الشر والباطل لا بد أن يزول كما قال تعالى عن عصى موسى لما ظهرت لحبال السحرة: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} . وهذا كله نراه في الحس والبصر، فإن الظلمة تعني عدم وجود النور، فإذا غلب على الناس الظلمة واستشرى أمرها فهو واقع بحسب غياب النور والهدى.
ومما يخدمنا في هذا الباب الأمور التالية:
أن العلاقة بين الحق والباطل وبين الشر والخير، وبين السحر وأمر الله، وبين النور الظلمة، هي علاقة صراع، لا يقع الواحد إلا ويغيب الآخر، ولا يمكن أن يرضى أحدهما بوجود الآخر، ولو أراد أهل الحق التماس الإذن بوجودهم من الباطل -ولو أدى هذا الالتماس إلى إفراغ الحق من طبيعته (أي بكونه قذيفة) - فإن الباطل لن يأذن ولن يسمح، وصورة الإذن الوحيدة هي: {تلقف ما يأفكون} ، و {نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} و {جاء الحق وزهق الباطل} ، أي بأن يقتلع الحق الباطل من جذوره ويخرج روحه منه بيده، وليس عن طريق انتظار أن تخرج روحه منه بنفسه.
وعلى هذا فإن كثيرا من الجماعات الإسلامية التي تنكر الجهاد في هذا العصر أو تدعو إلى (تأجيله) تتهم المجاهدين بأنهم يعطون المبرر للباطل بأن يضربهم ويقتلهم، وهؤلاء جد واهمون، لأنهم جهلوا طبيعة الباطل، وجهلوا أن ذات الحق (دون حركته) لا يرضى عنه ولا بوجوده الكفر بحال.
وبين أيدينا مئات الأمثلة منها:
صراع لوط عليه السلام مع قومه، فلماذا عاداه أهل الفاحشة؟ هل لأنه حمل عليهم؟ أو كر عليهم بليل؟ كل هذا لم يحدث، إنما علة محاربته: {اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} الأعراف.
وانظروا إلى هذا الحديث العجيب بين نبي الله شعيب عليه السلام وبين قومه، وتفكروا في عرض شعيب على قومه وماذا قال لهم: قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين} الأعراف (87) . رجل يقول لقومه: أنتم في حالكم ونحن في حالنا، طائفة آمنوا وطائفة لم يؤمنوا، فيا أيها الكافرون لا تعتدوا علينا ولا نعتدي عليكم حتى يقع أمر قدري لا بأيدينا ولا بأيديكم فيكون هو الفصل بين الطائفتين.