لقد مارس بعض المسلمين عمليات جهادية، وسبلا دعوية، وحيث لم تكتمل أسباب النجاح لعجز أو كسل فتقدم منهم من تقدم إلى ربه، وراح إليه وهو مجاهد شهيد، وأصيب من أصيب فخرج منها ناقص العضو إذ قدم بعض أجزائه إلى الآخرة، وبعضهم خرج وهو شاكر لربه أن وفقه لعمل الخيرات وصرف الوقت في الخير والجهاد، وبعضهم خرج يضرب كفا بكف وهو يبكي على سنين عمره التي ضيعها ولم تثمر النتيجة التي حلم بها وملأ بها جوانحه، وخرج بنفس مبتورة تشك في كل شيء، وتشك في كل طريق، وساعده في الوصول لهذه النفس المبتورة دعاة الإرجاف وأعلام الهزيمة والخذلان حيث استقر في ذهنه قولهم، وانطبعت في قلبه شبههم: هاهي تجربتكم الجهادية في مكان كذا وكذا، وهاهي نتائجها، فانظروا إليها، أما تعلمتم؟ أما اتعظتم؟!!، فيقع في التردد والحيرة والشك وحينئذ يكون كما قال الجويني:"ويمرحون في تعاليل النفوس والمنى"، أي أنه يقف جامدا بلا حركة ولا نشاط يعلل نفسه ويمنيها بأن يقع فيها القطع اليقين على شيء أو عمل أو حركة يجزم بنتيجتها، ولا يأمن ضياعها أو تغيرها، هؤلاء نراهم لا يثقون إلا بأنفسهم، ويربطون خير الأمة بقيادتهم، فإن سبقهم في غيرهم إلى عمل أو حركة ذهبوا يرفعون راية التشكيك، ويحرضون قلاع التخذيل ويصيحون: رويدكم فما هذا الذي ترونه إلا كسابقته وقد جربنا هذه الحركات وهذه الأعمال فلم تعد تخدعنا، وقد جربنا وجربنا، وإني لأحس في هذه النفوس النفاق من وجهين:
الوجه الأول: أنهم لا يرون الخير إلا في أنفسهم، ولا يثقون إلا بذواتهم، إذ امتلأت أنفسهم برؤية الذات وتعظيمها وهذا منتهى النفاق.
والوجه الثاني: أنك تحس في أنفسهم تمنى وقوع الشر الذي توقعوه، ويرغبون من كل جوانحهم أن لا يقع الخير الذي تمناه غيرهم، فهم يرجون الشر للأمة لتصح توقعاتهم وما أساؤوا فيه الظن.
وهناك قسم آخر من البشر، يكيل بمكيالين، ويزن بميزانين: ميزان ما يقوم به ويؤيده، وميزان ما يقوم به غيره أو يؤيده غيره، (والتأييد جانب نفسي أكثر منه شرعي مبني على دليل) : إن كان ما يقوم به ويؤيده فهو لا يحس إلا بالجوانب الحسنة، ولا يرى إلا الجمال وعينه عن الأخطاء معطوبة وكليلة، فهو يحسن كل ما يقع ويسبغ الشرعية على كل حدث، ويناور ليثبت مراده، وإن كان الآخر فهو على العكس تماما: تشكيك دائم ونقد دائم، وعيوب ظاهرة: وعين الرضى عن كل عيب كليلة ...
والجانب الصحيح أن يكون الرجل منصفا في الحب ومنصفا في البغضاء: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
لقد قاتل الناس مع الأفغان وأحسنوا فيهم الظن إلى أبعد حد، فوقع بعض الخير وتخلف بعضه فماذا كان؟.
لقد قاتل بعضهم مع عزت بيجوفيتش في البوسنة، حيث جالسوه فرأوا فيه المسلم التقي، وظنوا فيه من الخير إلى أبعد حد، فهل كان أمرهم مبنيا على الظن أم على اليقين؟ فوقع بعض الخير وتخلف أكثره فماذا كان؟.
لقد جاهد من جاهد، واجتهد من اجتهد، وهاجر من هاجر، وابتلي من ابتلي، وتعلم من تعلم، واستشهد من استشهد، فهل هذا مما يوسف عليه أم أن هذه هي الحياة التي ينبغي أن يعيشها أهل الإسلام؟.
ثم اعلموا حفظكم الله أن حصول تمام ومنتهى النصر لا يقع دفعة واحدة، وإن النصر النهائي هو محصلة نهائية لحركة حياة جهادية كاملة، فيها النصر، وفيها الهزيمة، فهل فتح مكة ثم بين ليلة وضحاها؟ أم أنه وقع بعد سنين من المعاناة: نصر في بدر، وهزيمة في أحد، فتن وآلام وملاحم في الخندق، مناورات عسكرية ودعوية في الحديبية، ثم وقع الفضل الإلهي بفتح مكة، لكنه بعد مقدمات كثيرة، فهل الوصول إلى القمة يتم بقفزة واحدة كما يفكر أهل التصوف الفكري المعاصر من أصحاب نظرية العصا السحرية: ضربة واحدة فإذا نحن في بلد الإسلام وبلد العزة والهجرة، مالكم كيف تحكمون؟!!.
المسلم لا يعلم الغيب لكن إن قدر لبعضنا أن يعيش ويرى الثمرة النهائية وهي تسقط على أصحاب الفضل الإلهي سيدرك أنه ما من حركة قام بها أهل التوحيد والجهاد إلا وكانت لبنة في البناء النهائي: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} .