فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 257

إن السنن الإلهية لا تحابي أحدا ولا تتخلف لأمنية رجل كائنا من كان، وهذا من تمام رحمة الله بعباده، فإن الدنيا دار سنن لا يجوز تركها أو معارضتها، فهي تطحن من وقف أمامها أو تلعب بها أو تغاضى عنها بحجة انشغاله بصلاح قلبه أو بأوراد ذكره وعبادته، والغفلة داء مهلك وهو يعتري أكثر طيبي القلوب من هذه الأمة، وكان من شكوى أهل الحديث في تحقيقهم لصحة الأحاديث أن أكثر الأحاديث الصحيحة تسري بين هذا الصنف من الناس، ولذلك صح عن الإمام مالك رحمه الله تعالى قوله:"إني لأرد أحاديث أقوام وأرجو دعاءهم لي"، فهو يرد حديثهم لغفلتهم ويقبل دعاءهم لكثرة ذكرهم وعباداتهم، ومن هنا وقف الكثير من الناس موقف العداء من الناصحين لإخوانهم بإحسان العمل وإتقانه على وجه يتطابق مع سنة الله تعالى بحجة أن هذا لا يعرف من فقه السلف، وفقه السلف هو ليس فقه أهل الفقه والحديث، فإن هذا فقه الأحكام الشرعية، أما كيف يكون العمل موافقا لسنة الله التكوينية فهذا يرجع فيه إلى أهل الخبرة والتجربة ممن درسوا هذا الأمر وعرفوا تكوينه على وجه يوافق الوضع الإلهي له في قدره وخلقه، وعلى هذا ففقه السلف الحقيقي في هذا الباب هو فقه الصحابة رضي الله عنهم لأنهم وحدهم من جمع الإتقان السنني للكونيات والفهم السنني للشرعيات فاستحقوا الولاية الدينية والولاية الكونية، وما حدث بعده هو الافتراق بين هاتين الولايتين كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولهذا واجب على أهل الولاية الكونية أن لا يتمادوا في دراساتهم بعيدا عن أهل الولاية الشرعية، ولا أهل الولاية الدينية أن يترفعوا عن الإذعان والتعلم من أهل الولاية الكونية، ولا تصح ولا تكون رفعة الإسلام إلا باجتماع هاتين الولايتين، واجتماعهما في شخص واحد في مثل هذه الأزمان اجتماع صعب، ولكن رحمة الله تعالى ليست ببعيدة في تحقيق الوعود الإلهية بالهداية التامة لبعض عباده، ولكن لتشعب الحياة وكثرة ما فيها من جديد من اكتشاف الناس لسنن الكون تجعل اجتماع الوعي الكامل عسيرا على العقل الواحد.

وهذا الذي شرحته وبينته كتب الأصول وهي شاهدة عليه فإن ما يسمى عند أهل الأصول بتحقيق المناط هو في حقيقته يعني معرفة الشيء وفهمه على حقيقته، حتى تتعرف صفته وهيئته وما فيه من سنن الله تعالى، وهذا لا يستلزم في تحقيقه أن يكون الرجل صاحب ولاية دينية، وقد ذكر هذا الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- في"الموافقات"، وقد ذكر ابن القيم في"الإعلام"وغيره أنه لا تجوز الفتوى حتى يتم للفقيه معرفة الواقع، والواقع ليس هو أخبار الواقع ولكنه سنن الله تعالى وخلقه وكونه.

افتراق الولايتين: الولاية الدينية والولاية الكونية تصنع فصاما نكدا في حياة المسلمين، ولذلك كان الحكام والقادة على الدوام بحاجة إلى نصائح العلماء وفقهم وإرشاداتهم، وكان العلماء بحاجة إلى سيف الحكام لحمايتهم وإقامة شؤونهم وتسهيل معاشهم وحماية بيضة الأمة.

أما هذه الأيام فالأمر جد مخز مختلف ومعيب، كل فريق رضي لنفسه الإمامة الناقصة فوقع المحظور بتخلف النصر الإلهي والوعد المرتجى، ولن يكون للأمة قياما ورفعة إلا بعقل جمعي يشرك غيره في الشورى والبحث ويكون رأيه ملزما في ما يفهم فيه ويتقنه، فليس هذا عصر الرجل الذي يعادل ألف رجل، وليس هذا زمان الرجل الذي يكون صوته في الجيش خير من ألف رجل مع أن وجود هذا الرجل ضروري وواجب في الجيش والحركة، ولكن فهم مثل هذه الأحاديث على درجة الاستقلال في تحقيق النتائج فهم صبياني ساذج، فإن الشجاعة هي قوة الإرادة وهى شق من شقين لتحقق العمل ووقوعه والشق الآخر هو القوة، بل إن الإرادة القوية لا تنتج إلا بشقين هما قوة الرغبة والعلم، إذا فقوة جنان الرجل وشجاعته هي جانب وحيد من جوانب متعددة في تحقيق النصر أو الوعد الإلهي، فانظر لهذا وتفكر فيه، وإياك والشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وعليك بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم فإنهم هم الرجال، وهم الذين يقتدى بهم في فهم دين الله تعالى وكيف يتحقق في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت