فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 257

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: التغيير كونًا وشرعًا

في باب التّغيير (تغيير المنكر) ومنه الجهاد في سبيل الله تعالى، يكون الجهاد حكمًا شرعيًّا وواجبًا عينيًّا في حالاتٍ معروفة عند أهل العلم، فإنّه لا يجوز تغييره ولا تبديله بحجج الرأي والهوى والاستحسان، إذ لو كان هناك أفضل منه وخير لعلمّنا الشارع إيّاه وهدانا إليه وفعله الصحابة رضي الله عنهم، فالجهاد في سبيل الله تعالى ومقاتلة المشركين حكم شرعي وواجب عينيّ في حالات وواجب كفائي في حالات أخرى.

فإذا قال الشارع الحكيم إن الحاكم إذا ارتدّ يجب قتاله فهذا حكم لا يدخل فيه التبديل والتغيير.

نعم هو حكم ككلِّ الأحكام الشرعيّة منوطٌ بالاستطاعة والقدرة، بل قد أمر الشارع بتكوين القوّة والاستطاعة وهما من باب الإعداد، ولكن لا يجوز أن نبحث عن بدائل ووسائل لإلغاء هذا الحكم وتطويره، كما فعل البعض حيث سمّى الدخول في الانتخابات جهادًا في سبيل الله تعالى، وجعل هذه العملية بديلًا عن الجهاد في سبيل الله تعالى، وأدخل هذا الأمر في باب الوسائل التي تجيز للمسلم الاختيار بينها (نعوذ بالله من الخذلان) .

إذن يجب الجهاد، فمن لم يستطع الجهاد بسبب ضعف الإعداد أو عدمه، فيجب الإعداد فإن لم يستطع الإعداد فيجب عليه الاعتزال (( فاعتزل تلك الفرق كلّها ) ).

والجهاد ليس وسيلةً بل هو عبادة، أي أن الجهاد في سبيل الله تعالى والقتال عبادةٌ من العبادات وهو أمر شرعي لا يدخل فيه التحويل ولا التطوير ولا التغيير، وما لم يكن عند الصحابة دينًا فلا يجوز أن يسمى اليوم دينًا.

وما هو متحول في هذا الباب وسائل القتال وأساليبه وخططه وطرقه، فمن الجهل الذي لا جهل فوقه، ومن الغباء الذي لا غباء فوقه ومن أسباب دمار أهل الإسلام وطوائفهم أن يوجب أحدهم على أهل مصر مثلًا أن يحكموا أهل مصر بالإسلام بفتح جديد بنفس الطّريقة التي فتحها عمرو بن العاص رضي الله عنه، ويرون من الخطأ والبدعة استعمال طرق وأساليب للحرب والقتال (ولو تعلّمناها من غير أهل الإسلام) في إقرار حكم الله تعالى على هذا البلد.

ولو لا أني قرأت شيئًا من هذا عن بعضهم لما ظننت أنّ أحدًا من البشر (بله أهل الإسلام) يفكّر بمثل هذا التّفكير ويقول مثل هذا القول الخطير.

ومن فهم من كلامي أنّي أَقصُرُ الأخذ في أساليب الحرب وطرقها وعلومها على أهل الإسلام فقد فهِم كلامي على نحوٍ خطأ ولا شكّ. لكنّي أعتقد أنّ السّيرة النّبويّة غنيّة غناءً لا مثيل له في إدراك سنن التّغيير وقواعد التّعامل مع الأحداث.

السّيرة النّبويّة فيها الحرب الصّداميّة الشّاملة (مثل بدرٍ وأحد) .

السّيرة النّبويّة فيها الاغتيال وتصفية الرّؤوس (قتل كعب بن الأشرف وغيره) .

السّيرة النبويّة فيها العقود والمعاهدات (مثل صلح الحديبية وعقد الرسول عليه السلام الأمان لليهود أول هجرته) .

السّيرة النّبويّة فيها الانقلاب والتّغيير الرّأسيّ الشّامل (حادثة فيروز الدّيلمي رضي الله عنه مع الأسود العنسيّ في اليمن) .

السيرة النبوية فيها جهاد الدفع كما في غزوة أحد وغزوة الخندق، السيرة النبوية فيها جهاد الطلب كفتح مكة وغزوة حنين بل أن مؤتة وتبوك وغيرهما قد اجتمع فيها الدفع والطلب والتشريد ..

السّيرة النبويّة فيها نظام {وشرّد بهم من خلفهم} . (مثل ما وقع في غزوة حمراء الأسد ومعركة مؤتة وغزوة تبوك) .

وهكذا فهي تجربة غنيّة تملأ نفس المسلم وتغني باطنه وتعمره بوجود المثال الصّالح لأغلب أحداث الحروب وطرقها، ولكنّ كتب السّيرة النّبويّة صارت كتبًا للتّبرّك لا كتبًا للعلوم والمعرفة فحسبنا الله ونعم الوكيل.

فعلوم الحرب وطرقها ووسائلها علومٌ إنسانيّة مشاعة، شئنا أم أبينا فإنّ هذه العلوم ممّا ينبغي أن نبكي على أهل الإسلام لإعراضهم عنها وهي علوم تنشأ بالتّجربة والاطّلاع وحدة العقل الرّاغب في هذه العلوم، وتؤخذ من مظانّها التي يعرفها أهل البحث والنّظر.

وقد يقوى لها الفاسق ويضعف عنها التّقيّ وحينئذٍ سنشكو كما شكى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حين قال: اللهم إنّي أعوذ بك من عجز التّقيّ وجلد الفاجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت