ساد في أوساط بعض المفكرين الإسلاميين (!!) وبعض الجماعات الإسلامية (!!) دعوى غريبة الشأن، لم تدرس بعناية من الوجهة الشرعية، ولم تكن هذه الدعوى قد خرجت إلى عقلية المسلم من خلال دراسة موضوعية شاملة، هذه الدعوى هي الزعم أن العدو (المرتدين) قد استجرنا إلى معركة خاسرة، فهو الذي دفعنا إليها وقد اختار لها التوقيت والأدوات ليحسمها متى يريد وكيفما يريد، وبالتالي علينا أن لا نستدرج إلى المعركة حسب توقيته، وكذا علينا أن نملك من الصبر العالي حتى نتحمل عنف السلطة نحونا مانعين من حصول المواجهة في الوقت الذي يريده هو ولا نريده نحن.
والفكرة ولا شك جميلة في أبعادها الذهنية، فإن من يملك التوقيت المناسب للمعركة هو الذي يستطيع أن يجعل في جرينه إحدى عوامل النصر وهزيمة الخصم، ولكن هل هذه الفكرة مبنية على أسس صحيحة؟ وهل سبب انتكاسة الحركة الإسلامية (!!) في الوصول إلى أهدافها أنها لم تملك ساعة الصفر في هذه المعركة؟، وهل صحيح أن ما حصل من مصادمات سواء كانت جهادية أم غير جهادية بين الحركات (!!) وبين السلطات المرتدة هي التي جعلت هذه الأوساط المفكرة والحركية تخرج هذه النتيجة؟.
ابتداء أقول أنه لم يحدث قط أن استدرج الطاغوت أي حركة إلى أي مواجهة في وقت أحبه هو أو رضيه هو، ولم تكن هناك ثم معركة بين الجماعات (!!) وبين الطاغوت كان سبب انهزام الحركات فيها هو خطأ التوقيت في البدء والعمل، بل إن الطاغوت في أي معركة نشأت بينه وبين هذه الحركات كان يعاني فيها الأمرين، ويصرخ بملء فيه استنجادا ورعبا، ولكن لأن النتيجة كانت في صالحه في النهاية فإنه استطاع أن يبث خبثه وحقده على الأمة، فيفجر ويعربد ويستغل فورة فوزه في تعميق جذور الجاهلية ومحاولة إضعاف جانب الإسلام في الدولة والأمة، نعم النتيجة كانت مرعبة بالنسبة للإسلام بسبب هزيمة هذه الحركات، ولكن لم يكن سبب الهزيمة هو اختيار الطاغوت لهذه المعركة في هذا الظرف.
نحن أمام تجارب متعددة في الصدام بين الإسلام ممثلا بحركات سواء منها البدعية أو السنية لكننا نستطيع أن نجمل هذه الحركات ضمن سياقين:
الأول: السياق السياسي وهي الحركات التي لم تتبن الجهاد كحل شرعي وحيد لهدم الطاغوت واقتلاعه، وهذا اللون فيه الكثير من الأطياف بدءا بالإخوان المسلمين المبتدعة إلى حزب التحرير، ومن الجماعات الإصلاحية كجماعة التبليغ وإلى تيار القاعدة الصلبة والدعاة السلفيين المزعومين وغيرهم.
السياق الثاني: وهي الحركات القتالية والتي حكمت أمرها أن هذا الطاغوت له حل وحيد في شرع الله تعالى وهو القتال، وهذا اللون كذلك فيه أطياف متعددة بدعية وسنية.
والتجارب التي يحتج بما أصحاب هذه النظرة يأخذون حالة أو حالات من الأولى وحالة أو حالات من الثانية.
أما الاحتجاج بالسياق السياسي فهو احتجاج باطل، لأن هذه الجماعات ليس في عقليتها ولا برنامجها مجابهة الطاغوت ولا محاربته، وليس في خطط إعدادهم لكوادرهم ثم إرادة لتعليمهم أصناف السلاح وإتقان القتال. فهو احتجاج باطل من أصله.
أما الحركات الثانية فالحق أن هذه الجماعات هي التي بدأت وشرعت، وليس الطاغوت هو الذي استفزها واستدرجها، أما بالنظر إلى الفهم الشرعي لهذه الدعوى فإني قبل أن أعرض ما أفهم من دين الله تعالى في تطبيق الحكم الشرعي في هؤلاء المرتدين فإني مضطر أن أبين عائقا جديدا استقر في أذهان آرائية هذا الزمان منعهم من الفهم عن الله تعالى والفهم على رسوله صلى الله عليه وسلم.