يتهمنا خصومنا أننا أصحاب أوهام وأحلام، وأننا حين نتحدث عن دولة الإسلام القادمة، وأنها دولة هجرة وعزة أننا نتحدث عن أضغاث أحلام، لكننا بفضل الله تعالى الأقدر على فهم سنة الله تعالى في الحياة، والذين أتعبتهم رقابهم وهي تنظر إلى حضارة الكفر بانبهار وانهزام هم الذين لا يفهمون سنة الله تعالى في الحضارات وسقوطها، وإذا أردنا أن نستشرف المستقبل الذي نرتقبه لهذه التركيبة لحضارة الشيطان، ومن خلال معطيات أولية، وحتى نحضر أنفسنا لهذا المستقبل، فإن هذه المعطيات الحقيقية تقول لنا التالي:
1 -قوة أي دولة تكمن في مركزيتها، والعالم بلا شك الآن يمثل قرية صغيرة، عاصمتها حضارة الشيطان في الغرب، وعلى الخصوص في هذا الوقت أمريكا، واستناد كافة الولايات في العالم قائم على المركز، منه يستمد قوته، ومنه يكتسب هيبته، مع التنبيه على أن بعض أطراف هذه الدولة العالمية ضعيفة الصلة بهذا المركز، ومن خلال هذا الضعف تكتسب حركات الجهاد مواقعها وتحافظ على نفسها من الانتهاء والتلاشي، وهذه البور الضعيفة تمد هذه الولايات المهمة عصارة الحق ببقاء صوت الإسلام والتوحيد والجهاد مدويا وحاضرا في نفوس مادة الجهاد وهم الشعوب، هذا المركز العالمي عوامل الفناء الحضاري قائمة فيه وبقوة، وحديث القرآن عن سبب الفناء الحضاري هو بسبب ما بالأنفس من فساد عقدي، وانهيار خلقي، ومظالم اجتماعية، وهي نفس صرخات العقلاء في هذه الحضارة ك"توينبي"حين يصرخ في بني قومه أن مجتمعاتهم إلى زوال، ولا بد من التنبيه إلى نقطة مهمة بها تفترق هذه الحضارة في هذا الزمان عن بقية الحضارات وهي تسارع الدورة الاجتماعية من المبتدأ إلى السقوط - وهو داخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسارع الزمن - فما كان يحتاج من الوجهة الاجتماعية إلى سنة صار يحتاج إلى أقل منها بكثير، وهذا بسبب اكتشاف السنن الكونية التي أعانت حركة الإنسان، وجعلت تحقيق إرادات قلبه ممكنة الحصول وبسرعة فائقة، ثم لعل هذا قريب الشبه بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على علامات الساعة وأنها في آخر الزمان تتسارع كحبات العقد منفلتة من عقالها وحبلها، وهذا يفيدنا أن السقوط سيكون مفاجئا حتى لأكثر الناس إساءة ظن بهذه الحضارة، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) ولعل انفجار أوكلاهوما كشف لنا شيئا عن التيارات الخفية المتنامية داخل هذه المجتمعات، والتي ستكون البدائل الحقيقية لهذه المركزية الصارمة، لأن الروابط بين المركز وغيره تتزايد ضعفا وهشاشة، وقبل انفجار أوكلاهوما ما حصل في لوس أنجلوس من ثورة فجرها الرجل الأسود ضد الظلم والقهر المفروض عليه في مجتمعه وأهل بلده، أما في أوروبا فالكلام عليها يطول من كشف هذه التيارات الخفية، ويكفي أن نعلم أن تيارات التعصب الديني والعرقي قد أوجدت لها مقاعد داخل السلطات التشريعية في البرلمان وغيره، بل إن بعضها قد صار أمل وصوله إلى الحكم وشيك الوقوع.
2 -عند سقوط هذه الدول من مركز وولايات ما هو البديل؟ وبعيدا عن الأوهام والأحلام نقول لن تسقط ولاية كاملة بيد بديل واحد سواء كان إسلاميا أو كفريا، فالبديل هو التوحش، وسبب هذا الجزم أنه لا يوجد تجمع واحد قادر أن يحتوي هذه الثمرة الناضجة إلى جرينه، والذين يتصورون أن الإسلام هو البديل الوحيد لهذه الحضارة الشيطانية، واهمون، وسبب وهمهم أنه لا يوجد مقدمة موضوعية لهذا الأمل، وليس هذا حديثا عن الإسلام وقدرته، ولكنه حديث عن المسلمين وعجزهم، وحتى تكون الصورة أقرب إلى الأذهان فبين يدي الباحث عدة أمثلة تبين لنا عجز الحركات الإسلامية عن تلقي الثمرة وهي ساقطة سقوطا حرا علاوة على عجزهم من قطفها بأنفسهم، هذه الأمثلة: هي أفغانستان، والولايات الإسلامية الخارجة من الحكم الروسي.
أما أفغانستان: قد شاركت الحركات الإسلامية في سقوطها، وقد سقطت، لكن هل كان المسلمون وعلى الخصوص أهل السنة والجماعة عندهم من المقدمات ما يؤهلهم لوراثة هذه الثمرة .. النظرة تكفي الجواب.
أما الولايات الإسلامية الخارجة من الحكم الروسي: فقد سقطت مركزية الحضارة الشيوعية وتناثرت حباتها، فهل يوجد حبة واحدة من هذه الثمار وقعت بيد المسلمين؟ سوى طاجكستان، مع أن الفرحة لم تتم.