فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 257

المشكلة الواضحة هي كيف توفَّق الجماعة المسلَّحة المهتدية في إيجاد الاحترام بين أفرادها على العموم وبين قواعدها والقيادة على الخصوص، وبين وجود المدى الأقصى من القدرة على احترام العقل الذّاتي والإرادة المستقلّة؟ وقد يظهر لبعض قاصري النّظر استحالة وجود هذه التّركيبة، واعتقادُ الاستحالةِ مردّه إلى عدم فهم أحد طرفي المعادلة، فقد يُدخِل البعض صورًا أو ممارساتٍ خاطئة إلى مفهوم الاحترام والتّقدير، وبالتّالي يجعل من أضداد الاحترام عدم وجود هذه الممارسات والسّلوكيّات.

عندما يناقش التّلميذ شيخه في مسألةٍ من المسائل، ويراجِعه فيها إلى أقصى درجات المراجعة بل المناظرة، فهل هذا الفعل يضادّ الاحترام والتّقدير؟.

هل مراجعةُ بلال رضي الله عنه المتكرّرة والصّلبة لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه في مسألةِ الاختلاف حول الأرض المفتوحةِ، هل يُعمل فيها بالخراج كما هو رأي عمر، أم تُقسّم على الفاتحين كما جرت السنّة وأصرّ على تطبيقها بلال، هل هذه المراجعة فيها ما ينبئ عن فقدان درجة (أيّ درجة) من درجات الاحترام بين شخص القائد وأتباعه؟.

هل استنكار سعد بن معاذ رضي الله عنه لمّا فهم من وجوب إحضار أربعة شهود حال رؤيته لزنى الزّوجة، وحلفه الأيمان المغلّظة أنّه لو رأى ذلك ليضربنّ ما بين رجليها هو ممّا لا يدخل تحت باب احترام الرعيّة للقيادة؟.

ثمّ تعالوا أيّها القادة لنحاسبَكم، وأنتم ملأتم الدّنيا صياحًا بوجوب محاكمةِ ومحاسبةِ المتسبّبين بمصائب الأمّة وهزائمها؟.

تعالوا أيّها القادة لنحاسبكم عن أحداثِ حماة، ومن هو المتسبّب بهذا الكمّ من المصائبِ والبلايا؟ ألم تدعوا الليالي الطّوال أن يخلّصكم الله تعالى من عدنان عقلة، لأنّه بدأ يسير في الآفاق داعيًا إلى كشف المجرمين والمنافقين والوصوليين والنّفعيين والجبَناء وقادة الفنادق، وسماسرة المال وقطّاع الطريقِ إلى الله؟.

لماذا احمرّت أنوفكم -غضبًا ظالمًا- ضدّ كتاب"التّجربة السّوريّة"لمؤلّفه عمر عبد الحكيم مع أنّه لم يُظهر من الحقائق إلاّ بمقدار رأس الإبرة، وإلاّ فالحقائق ينبغي أن تؤدّي بكم إلى المشانق لو كان هناك قاعدة تَفهَم دين الله تعالى، وتتعامل مع الأمورِ بشرعيّةٍ وموضوعيّة.

ثمَّ لماذا لا يفتح ملفُّ حزب النّهضة بقيادة راشد الغنّوشي بطريقة علنيّةٍ ليعرِفَ النّاس حقيقة ما جرى في تونس فتوضع النُّقاط فوق الحروف، فيعرف القائد المزيّف من القائد اللعوب، لماذا تلصق هذه الصّور الزّائفة ضمن لوحة الإسلام العظيم، بل لماذا كتب علينا أن لا نرى إلاّ قائدًا ورمزًا مزيّفًا عاجزًا عن قيادة دجاجة لا قيادة أمّة؟.

إنَّ الاحترام والتقدير للقيادة الواعية أمرٌ تفرضه القيادةُ بنفسها، وذلك من خلال مسيرتها المظفَّرة نحو أهداف الجماعة وانتصاراتها.

الإمام أحمد ابن حنبل -رحمه الله تعالى- لم يخطب الخطب الرنّانة، ولا أصدر البيانات المطوَّلة طالبًا من النّاس احترامه وتقديره، بل موقفه وصلابته في الحق، وتفانيهِ في سبيل السنّة ودين الله تعالى هو الذي جعله للناس إمامًا وفرض اسمه على أهل السنّة والجماعة.

شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بفعاله وجهاده جعل خصومه قبل تلاميذه ومحبِّيه يُقِرُّون له بالفضل والرِّفعة، لأنّهم رأوا رجل المواقف، لا أبواق كلامٍ وصراخ.

الأمَّة والقاعدة والأتباع يحترمون علماءهم وقادَتهم عندما تفرضُ القيادةُ نفسها بمواقفها وفعالها ونزاهتها.

إنّني أعلم أقوامًا (من الشباب المتحمس) كان يرجو نظرة من بعض الأسماء الرنّانة من القادة المفكرين، وكان يعتبر مجرَّد الجلوسِ في محاضرةٍ لهذا الشيخ أو القائد أو المفكّر هي من أشدِّ القُربات إلى الله تعالى، ولكنّه بعد تجربةٍ مُرّةٍ كشفت هذا الغثاء على حقيقته صار يعتقد أنَّ قتل هؤلاء القادةِ من أفضَلِ القُربات إلى الله تعالى.

لماذا هذا؟.

السبب واضحٌ جليّ، لأن الواقع كشف أن هؤلاء القادة تُجّار كلامٍ، وأبواقُ صراخ، حتى إذا جاء دَوْر النّزال والتّجربة تعرّت حقائقهم، وكُشِف أمرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت