فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 257

في كثير من الآيات القرآنية العظيمة، يكشف المسلم توافقا عجيبا بين أمور قد تبدو لأول وهلة غريبة، ولكن بإعمال النظر يظهر للمسلم التساوق العجيب والارتباط الوثيق بينهما.

هناك قاعدة، نستمدها من مجموع بعض الآيات والأحاديث في موضوع تحقيق عبودية الله في النفس الإنسانية، هذه القاعدة هي: لا عبودية بغير تمكين. ولا مغفرة من غير فتح. ولا فتح بلا شهادة.

1 -لا عبودية بغير تمكين:

استقر في أذهان المسلمين في هذه الأيام أن عبوديتهم لله تتحقق بمثل ما يقومون به من أعمال تعبدية فردية، فهم يصلون ويصومون ويحجون، ويذكرون الله كثيرا، وإذا حدثتهم عن مهمة الإسلام العظمى وهي بسط سلطان الله في الأرض، وتمكين دين الله في الوجود، عدوا ذلك من نافلة القول في موضوع العبودية، بل قد وصل الأمر ببعض (الأذكياء) أن يعد الحديث عن هذا الأمر (أي الحاكمية) هو حديث الباحثين عن الشهوة في الحكم، فهذا سلفي مزعوم وهو الدكتور ربيع المدخلي في كتابه"منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله"، يقرر أن الإمامة ليست من قواعد أهل السنة والجماعة، وهو بسوق حديثه ضد بعض الجماعات المسلمة التي تتكلم عن موضوع تحكيم الشريعة الإسلامية وأنه مهمة عظمى، وساق هذا الرجل الواهم كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية في موضوع الإمامة في رده على الشيعة الروافض وعقيدتهم في الإمامة، والأمر بينهما جد مختلف ويبصره صغار الطلبة وأنصاف المتعلمين، لكن هذا الرجل (ربيع المدخلي) يكفيه أن يعلن أنه سلفي!! ليكون إماما لبعض الصبية الأغرار ممن تغرهم الشعارات والعبارات البراقة. الإمامة في دين الله مطلب شرعي، ولا تتحقق عبودية المسلم في الأرض إلا إذا صار إماما، ونقصد هنا بالإمامة والإمام هو التمكين بالغلبة والقوة. فكلما زاد تمكين المسلم في الأرض كلما زادت عبوديته، وكلما نقص تمكين المسلم في الأرض كلما نقصت عبوديته.

وهذا الفهم له أدلة كثيرة منها:

أولا: قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} غافر، وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون} الصافات، وقال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء، وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} . هذه الآيات وغيرها الكثير تربط بين صدق الدعوى وصدق الوعد.

أما الدعوى فهي الإيمان وهي أعلى مراتب تحقيق العبودية.

وأما الوعد فهو التمكين، فإذا وجدت الدعوى فلا بد أن يتحقق الوعد، وتخلف الوعد يدل لزوما على تخلف الدعوى، وللتذكير فإن هذه القواعد القرآنية هي قواعد الجماعة ولا تعمل إلا من خلال الجماعة، وإذا تأملت في الآيات السالفة بعين نظر رأيت صفة الجمع للدعوى: {الذين آمنوا} و {جندنا} و {عبادي الصالحون} فإنها تتكلم عن جماعة لا عن أفراد، وهذه قاعدة سنتكلم عليها إن شاء الله في مقام قادم.

فالتمكين الذي هو النصر والغلبة مظهر من مظاهر عبودية المسلم في الأرض، وطلب التمكين في الأرض أمر إلهي واجب، على قاعدة أن الوعود الإلهية هي أوامر لتحقيق أسبابها والسعي في إدراكها، فأي جماعة لا تعمل في أسباب التمكين في الأرض بالغلبة والقوة لا تستحق أن تلج باب العبودية لرب الأرباب، والتمكين لا يتم إلا بالفتح كما أن الفتح لا يتم إلا بشهادة.

وأما قول بعضهم من جماعات الوهم الساذج، أو جماعات الفكر العرفاني -وهم الذين لا يرون الارتباط بين السبب الكوني والنتيجة القدرية- أن التمكين يتم عن طريق البلاغ فقط، أو عن طريق التصفية والتربية (بالمفهوم الصوفي الجديد تحت دعوى السلفية) أو عن طريق صندوق العجائب، فهؤلاء قوم حادوا عن جادة الصواب.

ثانيا: إن الكثير من الآيات الربانية، والأوامر النبوية لا يمكن أن يعملها المسلم إلا في زمن التمكين، وذلك لعجزه عنها، والعجز سبب من أسباب عدم تحقق تطبيق الأمر الإلهي الذي هو في النتيجة تخلف كمال العبودية لله، الحدود والاستعلاء على الكافرين وغيرها من الأوامر لا يمكن أن يقدر عليها المسلم إلا بتمكين.

2 -لا مغفرة من غير فتح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت