فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 257

بتمام العبودية لرب العباد يمن الله على عباده بالغفران، فالعبودية تساوي التمكين، والتمكين يكون بالنصر والغلبة وهما يعنيان الفتح؛ قال تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك وسبحه إنه كان توابا} ، فانظر حفظك الله ورعاك إلى التلازم بين فتح الله لنبيه (وهو ظهور دين الله تعالى على كل الأديان بالسيف والسنان كما ظهر بالحجة والبيان) وبين الله منه أن يستغفر ربه، وقال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصرا عزيزا} الفتح.

انظر إلى الجمع بين الفتح والمغفرة، إنا فتحنا تساوي ليغفر مضافا إلى ينصر. فالفتح نتيجة المغفرة والنصر، لأن الفتح لا يقع إلا بتوبة وجهاد. فالمغفرة لا تقع إلا باستغفار، والنصر لا يقع إلا بقتال، فالفتح لا يقع إلا باستغفار وجهاد، وغياب الفتح عن العبيد دال على أن المغفرة لن تقع، وقد أدرك الصالحون من عباد الله هذا الأمر؛ قال تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} آل عمران. هذه الآيات العظيمة، نزلت بعد موقعة أحد، حيث امتنع فيها الفتح، فأرشدهم الله إلى صنيع الأوائل، وكيف هي سنته سبحانه وتعالى في وقوع الفتح، حيث عبر عنه في هذه الآية بقوله {ثواب الدنيا} . فإذا آتى الله عباده {ثواب الدنيا} دل هذا على وقوع المغفرة، وتأخر النصر يدل على تخلف المغفرة.

3 -لا فتح إلا بشهادة:

في قراءة مشهورة للآية السابقة {وكأين من نبي ... } تقرأ: {وكأين من نبي قتل (بدل قاتل) معه ربيون كثير ... } الآيات. فالآية بهذه القراءة وبالقراءة السابقة كذلك تدلنا على سنة الله مع أوليائه أن يتخذهم شهداء، قال تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} آل عمران. فمن مقاصد الرب سبحانه وتعالى وقوع البلاء الذي هو مقدمة النصر والتمكين، كما سئل الإمام الشافعي: أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى. ا. هـ. الفوائد لابن القيم. قلت: من مقاصد الرب سبحانه وتعالى في وقوع البلاء هو اتخاذ الشهداء، وعلى هذا فيحب على الجماعة المهتدية أن تنشئ في نفوس أتباعها حب الشهادة وطلبها والسعي لها لأنها مقصد إلهي ولأنها الطريق نحو النصر والتمكين، ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه على الموت، وكانوا رضي الله عنهم يطلبون الموت مظانه لما علموا من حب الله تعالى لاتخاذ الشهداء، قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} .

وعلى هذا فإنا نخلص إلى النتائج التالية:

أ- الجماعة المهتدية هي التي تسعى إلى تحقيق عبودية الله تعالى في الأرض بتمكين دين الله، وببسط سلطان الله في الناس.

ب- الجماعة المهتدية علمت أن هذه العبودية لا تتم إلا بالفتح وأن أسباب الفتح هو القتل والقتال.

ج- الجماعة المهتدية هي التي يجتبيها الله بأن يتخذ منها شهداء، أما جماعات الانحراف والتزوير فهم الذين يفرزون سوء الرأي بأخذ جانب السلامة فيستبدلون القتل والقتال بالبرلمان حينا وبالبلاغ حينا وبتحقيق كتب التراث حينا وبالتربية الموهومة حينا وكل هذه - الطرق تؤدى إلى الذلة والهوان إذا اتخذت سبيلا للتمكين، والله الهادي سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت