فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 257

في هذا الزمن المتأخر وفي زمن تضارب المناهج في فهم الإسلام، وكلما قرأ المرء الكتابات التي تفرزها عقول وأهواء البشر، فإن المسلم السني يشعر بقيمة منهج أهل الحديث وطريقة فهمهم لدين الله تعالى.

بعد أن دخلت العجمة على أمتنا، وولج فيها من لم يتشرب حقيقة الإسلام، وبقي فيه شيء من جاهلية تراثه وقومه، تكلم هؤلاء في دين الله تعالى، تكلموا في تصورهم للألوهية وعلاقة البشر بها، وتكلموا في الرسالة المحمدية وعقائدها، وتكلموا في الفقه والتشريع.

ففي التوحيد ومسائل التصور والألوهية انشق الناس إلى معتزلة ومتكلمين، وفي الفقه والتشريع افترق الناس إلى ظاهرية وأهل رأي، وفي السلوك والتربية صار الناس إلى صوفية وزنادقة.

وتعددت المذاهب كالشيعة والخوارج، تختلط فيها الأقوال العقائدية بالتصورات السياسية، كل هذا الخليط المتنوع والمتضارب، جعل المجتمع الإسلامي نهبًا لهذه الكثرة الداعية ببليغ القول إلى دينها وطريقها، في ذلك كله بقي أهل الحق على ما هم عليه من وضوح التصورات، وسلامة المنهج، والهدي الأول الذي عاشه الصحابة رضي الله عنهم، هؤلاء الأوفياء تميزوا عن غيرهم بأنهم أهل تسليم لما جاء به النص، فلا يعارضونه بشيء من عقولهم وقواعدهم، وإذا أرادوا معرفة شيء غاب عنهم حكمه وإدراكه عادوا إلى النص، فاستناروا به، فكان لهم كما أرادوا، هؤلاء القوم هم أهل الحديث.

أهل الحديث في الفقه هم مقابل أهل الرأي والظاهرية. وأهل الرأي على درجات متفاوتة في بعدهم عن الحديث وهديه، والظاهرية كذلك. فأهل الرأي عمدوا إلى بعض النصوص التي صحت لديهم، أو إلى بعض القواعد التي تكونت من مجموعة نصوص متساوقة المراد، فجعلوها أصلا ومنهجا ليردوا عامة النصوص الأخرى عليها: وسأضرب على ذلك مثلا تاريخيا لأهل الرأي ومثلا معاصرا، ليتبين لنا الطريقة التي يتعامل معها الرأي في رد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

المثل التاريخي: استقر لدى أهل الرأي أن الإسلام جاء لتعظيم البشر عن بقية المخلوقات، فالإنسان أعظم من الحيوان مهما زادت منفعة الحيوان وقيمته، وهي قاعدة صحيحة في مثل هذا الطرح، وقد جاء الحديث أن الغنيمة تقسم بين الراجل والراكب كالتالي: أن الراجل له سهم، والراكب له ثلاثة أسهم، وهي قسمة تدل في الظاهر على أن فارق السهمين هي للحصان، جاء أهل الرأي وردوا هذا الحديث لمخالفته قواعد الشريعة حسب ظنهم، وقالوا: هذه قسمة غير صحيحة، فأقل ما ينبغي للراكب هو سهمين لأنه لا ينبغي أن يعطى الحصان أكثر من الإنسان، ونحن هنا لا نريد أن نناقش هذا القول من وجهة نظر قياسية عقلية لأنه متهافت من جهتها، لكن يكفي أن يقال أن هذا قياس على خلاف النص فلا يلتفت إليه.

فالحق أن الأمثلة في هذا الباب كثيرة ومتفاوتة في تعاملها مع الحديث والسنة، ونحن لا نشير هنا إلى طائفة معينة كأن يقول قائل: إن الكاتب يقصد مذهب الحنفية حين يقول: أهل الرأي، فهذا خطأ، مع أن الحنفية بمناهجهم صاروا علما على هذا المصطلح، وهم بحق كذلك، لكن غيرهم كان له نصيب من هذا الاسم، فبعض المالكية يردون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه على خلاف مذهب أهل المدينة، وهذا كله هو إعمال للرأي مقابل النص.

ولكن نشأ من رد الشريعة على وجه من وجوه الزندقة لا على وجه التأويل المعذور، أمثال"ابن الراوندي"الزنديق المشهور، ولا يظنن ظان أن وضع هؤلاء جميعا في مسمى أهل الرأي يجعلهم على مرتبة واحدة، كلا فإن هذا من الفهم السقيم الضال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت