المسلم دوما يقوده الحكم الشرعي، وليس له موقف في قضية ما إلا بعد أن يطلع على حكم الله تعالى فيها، والأحكام الشرعية هي التي تعصم المرء من الأخطاء الذهنية والتصورية، وهي كذلك تمنع الكثير من الاختلافات بين البشر لأنه إذا ترك البشر وما هم عليه من رؤى وأفكار لكان لكل واحد فكر ورأي، ولتشعب الناس حول كل معضلة إلى فرق يصعب حصرها أو توقيفها، ومن هنا فإن الداعين إلى الوحدة بين الطوائف والفرق والجماعات، لا بد لهم من مراعاة الحبل الذي يدعون إليه، والوحدة ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود هو الجامع الذي يلتقون حوله، وهو حبل الله تعالى كما قال سبحانه: {واعتصموا بحمل الله جميعا ولا تفرقوا} . فمقصود الآية هو ليس مجرد الاعتصام وعدم التفرق، بل مقصود الآية: هو الاعتصام بحبل الله، وحبل الله هو دينه وشريعته.
وعامة الجماعات الإسلامية اليوم تخاف من الخطاب الشرعي المحدد، وتشعر بالثقل من تحديد الرؤى والمواقف بألفاظ شرعية واضحة، فهي تخاف من لفظي: الكفر والردة، وتخاف من لفظي: البدعة والضلال، وتخاف من لفظي: الفسوق والمعصية، لأن هذه الألفاظ هي ألفاظ محددة، وإذا أطلتها المرء فإنها تحمل في داخلها موقفا سلوكيا لابد أن يتبع هذا اللفظ (الحكم) ويسايره، وترك الحكم الشرعي يصبغ المرء والجماعة بميوعة فكرية وسلوكية، وهي بالتالي تتفرق وتتنافر، فجماعات التكفير والهجرة خرجت من عباءة الإخوان المسلمين شاءت الجماعة أن تعترف أم لا وجمد موقف الخوارج الجدد بفكر الإرجاء المنحرف، واضطربت القاعدة التنظيمية في تمييز نفسها إلى أي جهة تميل، وجمد بعض الأفراد من العمل التنظيمي في صفوف الإخوان المسلمين في بعض الظروف لأنهم لا يكفرون الحاكم الفلاني، فهم لا يرونه مسلما فاسقا، ثم دارت الدائرة وقد جمدوا من العمل التنظيمي مرة أخرى لأنهم يعتقدون كفره، ولذلك من أصعب الأمور على الباحث في هذه الجماعة أن يعرف خيطا جامعا لحكم هذه الجماعة على الواقع، ومثلهم تلك الجماعات التي ما زالت تدور في فلك الإخوان المسلمين مع شيء من التجميل والتزين، فالأستاذ محمد سرور زين العابدين وإلى اليوم يشتد غضبه إذا طلب منه الحكم الشرعي في الحكام، فيرد عليك بأنهم مجرمون، وإذا أعيد السؤال مع التنبيه على ضرورة بيان الحكم الشرعي - مسلم، كافر- فلا تجد منه إلا الغضب، وقد يبرر هذا الغضب منه أو من غيره، بأن الشيخ يخاف أن يكون السؤال من المخابرات والجواسيس، وكأن هذا الأمر مما يجوز للمسلم كتمه، أو هو من الأمور التي تدخل في دائرة السرية للجماعات المسلمة، مع أن مبدأ الجماعة الأم"الإخوان المسلمين"هو علنية الدعوة وسرية التنظيم، مع الاحترام والتقدير لمعنى هذه الألفاظ في المعاجم، ومشايخ السلفية المعاصرة لتفرغهم لبعض القضايا، وعدم اهتمامهم بالواقع الجديد، أو لنقل بكل صراحة لأنهم ما زالوا أسرى لقضايا لا تمت إلى زمانهم بصلة، فإن عباءة السلفية صارت حاوية على مذاهب بدعية منحرفة، فهذا محمد بن إبراهيم شقرة - تلميذ الألباني - ذكر في كتاب له بعنوان"مجتمعنا المعاصر بين التكفير الجائر والإيمان الحائر"طباعة المكتبة الإسلامية في الأردن، وبعد أن تعالم على عباد الله تعالى بقوله: وإذا أفردت الكتابة بهذا الموضوع المهم الخطير، فلتعريف المسلمين على مختلف طرائقهم ومستوياتهم واتجاهاتهم بالمنهج العلمي الحق في دراسة المسائل، وحل المشاكل، وبخاصة في مثل هذه المسائل الشائكة. ا. هـ، يقول هذا السلفي المرجئ بعد هذا التعالم: الإنسان إذا نطق بالشهادة، وصدق بما قلبه، واعتقدها جازما، وآمن بحقها كله، فهو مؤمن وإن اجترح المعاصي كلها، ما ظهر منها وما بطن ما لم يصاحبها جحود أو نكران. ا. هـ. (ص37) . وهذا القول هو مذهب غلاة المرجئة في الإيمان والتكفير، فكأنه يقول لا يضر مع الإيمان معصية، ولأنه يشترط الجحد في التكفير لجميع الذنوب، سواء كانت مكفرة أو غير مكفرة.