فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 257

بكل وضوح وجلاء إن ما نبحث عنه هو التغير الجذري، والانقلاب الشامل، وهو في عرف المعاصرين، ما يسمى بالثورة، وبكل وضوح وجلاء: نحن لا نقر شيئا مما هو موجود، إذ إنه إما شر مطلق وإما شر مختلط، وإما بعض الخير، فرفضنا للشر بقسميه واضح سببه، وهو كونه شرا، وأما للخير الموجود (أي على مستوى الجماعة لا مستوى الفرد) فهو لارتكازه على منطلقات ورؤى جاهلية، أو اعتماده على مبادئ ليست من الإسلام في شيء، هذا التغيير الجذري والانقلاب الشامل ندرك تمام الإدراك أنها من أعقد ما يجابه الإنسان في حياته، وأنها من أصعب وأعوص ما يعتري البشر في حركة حياتهم، فحركة التغيير هي حركة تختلط فيها الحياة بأسرها، وتتقاطع بدايتها حتى يخيل للمرء أنه في دوامة من الأمواج لا يحسن تمييزها أو الفصل بينها، وهي بحق كذلك، فألوان الطيف متداخلة مع أنها متباينة، وفي هذا الخضم المتلاطم يتساءل المرء من أين يبدأ؟ ويتساءل كذلك عن نهاية البداية؟ وما هو الرابط بين السبب (الحبل) وبين هذه النتيجة؟ هذا عن فهمك لطبيعة التغيير أو لفهمك عن سبل التغيير، ويبقى أمر يتعلق بهذا الشخص الذي يقوم بعملية التغيير، ومدى امتلاء نفسيته للحق الذي يملكه، وللباطل الذي يجابهه.

لو أردنا أن نعيد تلك الأعمال المتعددة (أركان وواجبات ومستحبات) لعملية التغيير (المسمى) فهل نستطيع أن نتبين التفريق بين ما هو ركن وواجب ومستحب، دون تحديدنا لكلية تعيد هذا المتعدد إلى واحد؟.

إن مما أدركه الأوائل (وهو إدراك فطري سنني معقد مع سهولته) أن القضية التي لا يمكن تنازل المرء عنها، وهي التي تحمل المرء على الرفض الكلي للخصم هو ارتباط الخصومة بما يسمى بالعقيدة والدين، فكل الخصومات يرجى برؤها وشفاء المرء منها إلا من خاصمك في الدين والعقيدة، وهي قضية واضحة المعالم، فالخصومة على المال قد تنتهي إلى الصلح، وعلى المتاع كذلك، وعلى أي شيء، وفي التاريخ عبر لتوضيح هذا الأمر تعجز هذه الورقات عن سردها أو استيعابها، ولكن هل رأيتم قوما ساوموا أو اصطلحوا على التنازل عن عقائدهم؟ الجواب بكل وضوح: النفي. فقضية الفكر والعقيدة لا يساوم المرء عليها، نعم قد يقتنع بضدها، ولكن ليست هي من معروضات الشراء والبيع، فإذا اقتنع المرء بصواب فكرته وأنها الحق، فلا بد أن يتحرك باتجاه الخصم ليغيره وليبدله إليه، وتتأزم الخصومة، بل وتؤتي أكلها إذا كان صاحب الفكرة مقتنعا بالضلال الكلي لخصمه، وإذا أردنا أن نفسر هذه القضية السهلة بما هو مفهوم للشباب المسلم فنقول: لو أن رجلا كان يعتقد أن ما هو عليه هو الإسلام الصحيح، وكان يعتقد في خصمه أنه مسلم ولكن ليس تام الإيمان بل مقصر ببعض الشيء، فما هي درجة مجابهة هذا المسلم لخصمه المقصر؟ الجواب واضح، وهو أن هذه المجابهة لن تكون شرسة، بل سيكون فيها نوع مهادنة، وستكون في وسط الطريق أنصاف الحلول السلمية والمصالحة، لكن إذا اعتقد المسلم أن من يجابهه هو كافر مرتد وأنه مشرك بالله، وليس هناك من شيء عنده مما هو في تقييمه أنه حسن وجميل، فسيكون الصراع على أشده وتكون المجابهة في أعلى درجاتها، وهذا الصراع الذي يؤتي أكله، ويجني ثماره.

وجماعات الجهاد في العالم الإسلامي حيث طرحت نفسها بهذا الطرح، وهو أنها تسعى للتغيير الجذري والانقلاب الشامل، فلا يمكن لأفرادها الصمود إلا إذا اعتقدوا بدليل الشرع والقدر أن هذه الحكومات هي حكومات شرك وردة، وأن التخلي عن هذا التصور السليم سيرفع عن المقاتل سنة النصر القدرية بامتلاء النفس وثقتها، وسيرفع عنهم التوفيق الإلهي الحاصل بامتثال الأمر الشرعي، وسيصيبنا قوله تعالى: {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} .

إن الجماعة التي تطلب من أفرادها حمل السلاح ثم تحمل نتائج هذا المشروع، ولم تقنع أفرادها، أو لن تتبنى هي أن الخصم الذي تقاتله هو كافر، وأن المشروع سينتهي بأحد أمرين - تقاتلونهم أو يسلمون- كما قال تعالى في سورة الفتح، هي جماعة ستقنع في النهاية بأنصاف الحلول، ثم الجلوس على موائد المفاوضات الهزيلة، وحينها تحصل الهزيمة.

والمسألة ليست مصالح لتحقيق النصر بقدر ما هي أوامر إلهية - شرعية وقدرية- لابد من فهمها والاعتقاد بها. هذه مقدمة ضرورية لبحث كفر الحاكمين بغير شريعة الرحمن وردتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت