بناء دولة الإسلام حكم شرعي بمعنى أنّه واجب شرعي دليله أمر الله تعالى في كتابه وفي سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولمّا أسقطت دولة الخلافة وانفرط عقد الأمّة وبدت في الأفق معالم عقديّة فاسدة تتسارع في اقتناص الدول المنفرطة من دولة الخلافة، فقد دخلت الأحزاب الشيوعيّة إلى بلادنا سنة 1917م أي في السنة ذاتها التي انتصر فيها لينين ضدّ خصومه وبنى الدولة الشيوعية الأولى في روسيا، وبعدها بدأت الأحزاب اليمينيّة واليساريّة على مختلف ألوانها من حمراء وبيضاء وزرقاء، من بعثيّة وقوميّة وعلمانيّة وغير ذلك، وكان من جملة هذه الأحزاب المتصارعة لحصول الغلبة على هذه الدولة الأحزاب والتنظيمات الإسلاميّة، وكان في هذه الأحزاب الكثير من العمومات التي لم تحدّد، وكانت هذه العمومات سببًا لعدم اهتداء الكثير منها إلى الوقوف الموقف الشرعي الصحيح مع الأحداث المتسارعة. وكان من جملة هذه المعلومات المعوّقة من تحصيل الغلبة الاختلاف حول الطريقة المثلى في إقامة الدولة الإسلاميّة، وكان السؤال: ما هو الطريق الشرعي لإحياء دولة الإسلام؟ وقد أخذ هذا السؤال شوطًا بعيدًا من الوقت والجهد للوصول إلى الجواب الصحيح، أو لتحديد معالمه.
وللأسف (وأقولها حسيرًا) ما زال بعض الناس يظنُّ أن هذه الطريقة تحتاج إلى مزيد من الكشف والدراسة، أي أنه مازال الكثير من أهل الدين يجمع الناس ليحدّثهم عن الطريقة المُثلى في إسقاط الطواغيت، أو الطريقة المثلى لإحياء دولة الخلافة.
في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب وخصوصًا اليساريّة تشدّ الخطى وتسعى بتقدّم ناجح نحو أهدافها في بناء دولهم ومجتمعاتهم كان المسلمون في تنظيماتهم يتناظرون فيما بينهم على الطريقة النبويّة في إقامة دولة الإسلام، وهو أمر مشين معيب.
لقد كان أهل الإسلام يملكون الرصيد الأكبر لتحصيل الغلبة في امتلاك الدولة، ولكن بكلّ سهولة ويسر تحوّل مَن لا يملك الرَّصيد إلى حاكمِ دولةٍ ومن يملكُ الرصيد إلى مُهاجر مُطارد لا يملك مترَ أرض يموت فيه.
لقد بنى النّاس دولهم وأقاموا لها الأساسات والعُمُد ووثّقوا أركانها وجنُوا خيراتها وربّوا الأمّة على ما يريدون، وكسبوا مواقع متقدّمة، وما زال أهل الإسلام يتناظرون ويتشاجرون حول الطّريقة المثلى لإقامة الدّولة الإسلاميّة؟!!. وكلّ المتناظرين يزعمون أنّ دليلهم فيما يقولون من إقامة الدّولة الإسلاميّة مشتقّة من الطّريقة النّبويّة (زعموا) .
وإنّي بفضل الله تعالى منذ أن بدأت أحترم عقلي وأحترم ما وهبني الله تعالى من نِعَمٍ أيقنت أنّ الطّريقة المثلى لإقامة دولة الإسلام هي عين الطّريقة المثلى في إقامة أيّ دولة من الدّول. فالطّريقة الشّرعيّة هي عينها الطّريقة الكونيّة، فإذا ثبت من جهة النّقل الصّحيح فإنّه يوافق الكونيّ الصّريح، وإذا ثبت شيء من جهة العقل الصّريح فإنّه لا بدّ أن يوافق النّقل الصّحيح، ولكنّ الحكم الشّرعيّ لا يؤخذ من الكونيّ بل يؤخذ من النّقليّ، فالحلال والحرام والجائز والمستحبّ والمكروه لا يثبُتُ واحدٌ منها إلاّ بالكتاب والسنّة.
وبالتّالي لا يمكن أن يثبت نقلٌ صحيحٌ على خلاف العقلِ الصّريح، ولا يُمكن أن يُجمع العقلاء على كونيٍّ صريح وهو مخالف لشرع الله ودينه، فمصدر الكون هو مصدر الشّرع {ألا له الخلق والأمر} بل إنّ من معاني الحقّ (وهو اسم يطلق على الشّرعي) ثابت لكونه موافقٌ لقدَرِ الله تعالى وخلقه (الفطرة) .
هذا الذي أقوله لا بدّ أن يجتمع مع ما قُلته سابقًا ليستقيم المعنى في نفوس إخواني القرّاء.