إن أي حركة انتقالية أو تغييرية تحتاج في الوصول إلى أهدافها إلى مجموعة من العوامل الذاتية، وكلما كان صاحب الحركة جامعا لهذه العوامل كلما كان أسرع وأقوى في الوصول إلى النتائج والأهداف، والعكس صحيح، وقد قفزت الحركة الإسلامية السلفية المجاهدة بفضل الله تعالى خطوة عظمى في إدراك قيمة العوامل الذاتية، والإكثار من التنبيه عليها على خلاف ما جرت عليه أخلاق المسلمين وحركاتهم في هذا العصر من الحديث عن كثرة العوائق من الأعداء والمخالفين، في الصد والدفع لأهداف هذه الحركات، والفرق بين حركة ترى أن نصرها وهزيمتها مردها إلى (ما بأنفسها) وبين حركة ترى أن العلة هو (ما بغيرها) يفرز سلوكيات متباينة بين الفريقين نرى بعض صورها على أرضية الواقع عند الحركات الإسلامية ننبه إلى بعضها:
1 -الحركة السلفية المجاهدة لا تصبغ على الواقع الشرعية تحت حجة (ليس في الإمكان أبدع مما كان) بل تسعى لتغييره ليصبح في المستوى المطلوب في حكم الشرع، فهي تصارع وتدافع وتجاهد، ومن خلال هذه المدافعة والمجاهدة تسعى إلى الوصول إلى المرتبة التي تستحق بها النصر والتمكين، فهذه الجماعة المتمردة على واقعها، تسعى إلى هدم الباطل فيه وإعلاء شأن الحق، دون مواربة أو تقية، أما الأخرى: فهي تقر المسلمين على ما هم عليه، ولا تسعى إلى رفع شأنهم، وإذا كلفتهم فإنما تكلفهم مع حادي الشهوة، وتدفع لهم الأجور العظيمة مقابل: لا شيء.
ومن أوضح هذه الشعارات الدالة على فقد الهدى والرشد عند هذه الجماعات وعدم الاهتمام برفع مستوى الحق عند المسلمين قولهم: (طريقك إلى الجنة عبر ورقة في صندوق الاقتراع) ، فانظر حفظك الله إلى عظيم ما تطلب الحركة المجاهدة لتكون راشدا مقابل ما تطلب هذه الجماعة المنحرفة.
2 -الجماعة المنحرفة التي تقدم وصفها تسعى جاهدة إلى إرضاء الكفر واستعطافه في بلوغ المراد، فهي ترى أنها لا تستطيع أن تقدم أكثر مما هي عليه الآن، والمانع في الوصول حسب قولهم هو: الباطل، فالحل لذلك هو أخذ الإجازة والإشارة البيضاء من الكفر للوصول إلى الأهداف، فهي على حال واحد في طلب الترخيص من الباطل لتمارس عملها، وعلى هذا جرى أمر كثير من الحركات الإسلامية المنحرفة؟ انظر إلى جماعة"الإخوان المسلمين"في مصر، وإلى طول المدة الزمنية التي مكثت ومازالت ملقية نفسها على أعتاب الطاغوت ليرضى عنها، ليعطيها الإذن بممارسة العمل السياسي هناك، وانظر كذلك إلى تلك الرحلات المكوكية التي يقوم بها زعماء هذه الجماعات إلى أمريكا وفرنسا وبريطانيا ليثبتوا أنهم ألين من الحمل، وأنهم ديمقراطيون أكثر من حكوماتهم ودولهم، وانظر في المقابل إلى هؤلاء الشباب (الفتية) في تصديهم للكفر وعدم الركون إليه، ومنابذته على كل الأصعدة، مع علمهم الأكيد بما هم عليه من الضعف والعجز، وقلة ذات اليد وغيرها من جدب الموارد وقلة الناصرين، إلا أنهم مع هذا أدركوا أن الباطل لا شيء، وما كان ولا صار إلا بغياب الحق أو ضعفه، فلا استرضاء للباطل ولا استعطاف له لبلوغ الهدف، ولكن بإزالة عوامل الضعف والعجز من داخلنا نبلغ أهدافنا.
3 -الجماعة المنحرفة تفرز من داخلها مجموعة من الفتاوى التي تلائم الحالة المزرية التي يعيشونها، فهم ضعفاء والطاغوت قوي لا يقاوم، فما هو الفقه الملائم لهذا الوضع؟، إنهم يشغلون أنفسهم بالتنقيب في طيات الكتب ليتصيدوا فتوى فيها الأخذ برخصة لتكون منهجا لهذه الجماعة.
والرخصة في الفقه الإسلامي هي حالة استثناء وليست أصلا، لكن هذه الجماعات تصنع من هذا الاستثناء قاعدة، وتجعله دينا يفرض على الأتباع التزامه، والخروج عليه شذوذ، فانظر إلى تلك الدراسات التي أفرزها هذا الاتجاه التي تجيز لهم الدخول في الوزارات الكافرة، ومع ما في هذه الأدلة من هشاشة إلا أنها أكثر ما تصلح أن يقال إنها استثناء من الأصل والقاعدة، لكن هذا الاستثناء هو المنهج عند هذه الجماعات، والقاعدة شذوذ.