إن أركان الحكم الشرعي داخلة في تعريفه حيث قال الفقهاء الأصوليون: إن الحكم الشرعي هو: خطاب الله تعالى للمكلفين بالوضع أو الاختيار أو الطلب، فأركانه أربعة وهي: الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه ونفس الحكم. ا. هـ. المستصفى (1/ 83) .
فإذا اختل ركن من هذه الأركان لا يسمى شرعيا، والحاكم هنا هو الله تعالى، قال الغزالي: أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق. ا. هـ. (نفس المرجع السابق) قال الآمدي شارحا هذا الأمر: الحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية، بل حكم الشرع عليه بالسببية. ا. هـ. الإحكام (1/ 182) . وقال الغزالي: فالحكم الشرعي خطاب الشرع وليس وصفا للحكم ولا حسن ولا قبيح ولا مدخل للعقل فيه ولا حكم قبل ورود الشرع. ا. هـ. وقول الغزالي خطأ من وجه وهو كون الحكم الشرعي لا يدرك حسنه وقبحه إلا بالشرع، بل الصحيح يدرك حسنه وقبحه بالعقل. وأما قوله:"ولا حكم قبل ورود الشرع"فهو صواب خلافا للمعتزلة.
إذا الحكم الشرعي ليس فقط نفس الحكم أي صورة الحكم، بل هو خطاب الشارع بهذا الحكم، فمن فعل فعلا لوجه من الوجوه. غير وجه امتثال الشريعة الإسلامية، فإن فعله لا يدخل في مسمى الحكم الشرعي، فباذل المال للفقراء والمساكين لا يمكن إدخاله في قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} . لأن الله سبحانه وتعالى عقب بعدها قائلا: {إنما نطعمكم لوجه الله} أي أنهم امتثلوا هذا الأمر لأنه صادر من الله تعالى، وهم يفعلونه امتثالا لأمره، ورغبة فيما عنده، فهؤلاء هم منفذون للحكم الشرعي، فالحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى، وما لم يكن المحكوم منفذا الحكم لأنه أمر الله تعالى فليس من الناجين من عقوبة ترك الأمر أو اقتراف النهي. والشارع في دين الله هو السيد الحقيقي، أي من له حق السيادة على البشر، فهو الخالق لهم وهو الحاكم عليهم، ولذلك من أسماء الله تعالى السيد -كما جاء في الحديث الصحيح- وهو يسمى كذلك حق التأليه، فالإله هو السيد، ولا يكون السيد مطلقا حتى يكون إلها حقيقيا، ولذلك من مبررات اعتقادنا أن سيدنا وإلهنا هو الله، اعتقادنا أننا ملك له، ولولا هذا الملك الحقيقي ما قبلنا سيادته، ومن مقتضيات هذه الملكية التي بررت السيادة إصدار الأوامر التكليفية التي ترتب عليها إثابة الطائع ومعاقبة المخالف