فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 257

ومجمل قولهم أنهم سيدخلون في اللعبة الديمقراطية لثقتهم أن الشعب سينتخبهم فيبلغوا إلى درجة تخولهم أن يغيروا الدستور، ومع أن الجبهة هي كاسمها: خليط غير متجانس، كل حسب رؤيته ومفهومه، وفيها من عوامل الانهيار الذاتي مما يجعلها غير قادرة على الخروج برؤية واضحة للأحداث والعقبات، ويدل على ذلك أمران: أولاهما: أزمة الخليج، وثانيهما: ضرب الدولة وتشتت الجبهة إلى ما هي عليه الآن، ولا أدري لم يجعل بعض الناس ممن يكفر بالديمقراطية جبهة الإنقاذ حالة خاصة تخرج عن زمرة الديمقراطيين الإسلاميين، فهم يتكلمون عن الإخوان وديمقراطيتهم بكثير من الحماس الناقد، فإذا اقتربوا من جبهة الإنقاذ كاعوا ورجفوا، وكأنها ليست على النسق والتساوي مع الآخرين من الديمقراطيين، ولعل الخطاب الثوري الذي كان يردده علي بن حاج هو الذي جعل هؤلاء يخرجون الجبهة عن هذه الزمرة، وهذا خطأ كبير لأن العلة التي تلحق الجماعة بهذه الزمرة متحققة في الجبهة كما هي متعلقة بغيرها من النهضة والإخوان والجماعة الإسلامية الباكستانية وغيرها من الجماعات السالكة طريق الديمقراطية.

هذا التغاير في الهدف، والتغاير في التوصيف للعمل الديمقراطي يجعل هؤلاء القوم من أبعد الناس عن تحصيل الهدف، وذلك لعدم تصورهم له أو معرفتهم بحقيقة الأسلوب لا من الوجهة الشرعية ولا من الوجهة الواقعية.

لكن لو افترضنا جدلا أن فرقة من الفرق وصلت إلى سدة الحكم عن طريق الديمقراطية وحكمت الشريعة فهل يكون الحكم إسلاميا بهذه الطريقة؟ الجواب بكل وضوح: لا، فكل قانون وإن كان يلتقي مع الشريعة الإسلامية في حده ووصفه وفرض عن طريق البرلمان وخيار الشعب لن يكون إسلاميا، بل هو قانون طاغوتي كفري.

لماذا هذا؟.

أي حكم حتى يكون شرعيا إسلاميا لا بد من النظر إلى أركانه وأهم أركانه هو النظر إلى الحاكم ومن هو؟ فإن كان الحاكم (المشرع) هو الله كان الحكم إسلاميا، وإن كان الحاكم (المشرع) غير الله كان الحكم طاغوتيا كافرا. ومن هنا فإن الأخلاق الصحيحة التي يدعو إليها الدين النصراني لا تعتبر إسلامية، لأن الجهة الحاكمة (المشرعة) لهذا الحكم ليست الجهة الحاكمة للحكم الشرعي. فالحكم الشرعي يكتسب قوته لأنه صادر ممن له الحق في إصدار هذا الأمر وهو رب العالمين، وحتى يكون شرعيا لا بد أن يكون تكييفه شرعيا وإلا فلا. والحكم الصادر عن البرلمان يكتسب قوته من مالك السيادة في النظام الديمقراطي، فقد يكون الشعب فقط وقد يكون الشعب والملك معه أو الأمير وهكذا، فلو صدر قانون منع الخمر من البرلمان فهو قانون تكييفه الشرعي قانون كفري طاغوتي، وإذا قال الحاكم نحن حرمنا الخمر لأن الله أمرنا بهذا لكان قانونا مسلما. وللتمثيل نقول: ما الفرق بين النكاح والسفاح من وجهة شرعية مع أنهما يعبران عن حقيقة واحدة؟ النكاح جائز لأنه بكلمة الله -كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) )وكلمة الله هنا معناها حكمه وليس العقد كما يقول البعض-، والسفاح تم بكلمة أخرى غير كلمة الله تعالى، فكان حراما وإثما.

فالقانون الصادر عن البرلمان مصدر بكلمة: باسم الشعب، أو قرر مندوبو البرلمان، فهو قانون طاغوتي اكتسب قوته من إله باطل.

أما القانون الإسلامي فهو المصدر بكلمة باسم الله. فالذين يبحثون عن تحكيم الشريعة الإسلامية عن طريق البرلمان عليهم أن يراجعوا أركان الحكم الشرعي، وكيف يكون إسلاميا، وكيف يكون الحكم طاغوتيا كافرا؟.

قلنا إن الحكم الصادر عن مجلس الشعب أو البرلمان لا يسمى إسلاميا وإن كان يلتقي مع الحكم الشرعي في صورته وظاهره، وعلى هذا فلو أن مجلس الشعب قرر تحريم الخمر على الشعب فإن هذا القرار لا يعد إسلاميا وإن التقى مع الشريعة الإسلامية في صورة النهي وتحريم الخمر، وسبب ذلك أن الحكم الشرعي لا يكون شرعيا إسلاميا إلا إذا كان تكييفه شرعيا إسلاميا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت