تحت شمس الجهاد اللاهبة ظهرت حقائق الوجود، والإنسان من هذا الوجود، فتعرَّى الإنسان، وآب كل صنْفٍ إلى قسيمه، فعرف الناس أنفسهم، وعرف الناس إخوانهم وأعداءهم، ولم يكن ليظهر هذا كله إلا بسبب شمس الجهاد ونورها الكاشف.
غزوةُ الأحزاب كما عرضها أشرف الكلام وأعلاه -القرآن الكريم- كشَفَت الجزيرة العربية، وكشَفَت مجتمع المدينة النبوية، فليس هناك من رطوبةٍ خبيثة مخبَّأة، وليس هناك من أماكن مظلمةٍ تضرب الغربان فيها بأجنحتها، وتُغَمغِم البوم بنعيقها، وليس هناك مقادير للرجال قد شغلها غيرُ أصحابها، لا، بل عدَّلت غزوة الأحزاب الموازين، موازين الرجال، وموازين القوى.
أمَّا موازين الرجال ففي قوله سبحانه وتعالى: {من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلًا} ، وفي قوله سبحانه وتعالى: {ويستأذن فريقٌ منهم النّبي ويقولون إنَّ بيوتنا عورة} ، وفي قوله: {وإذ يقولُ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعَدَنا اللهُ ورسولهُ إلاّ غرورًا} .