فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 257

ما الفرق بين قول أهل الأهواء قديما أن العقل هو اليقيني والنص هو الظني، وقول جودت سعيد: فالمرجع ليس الكتاب وإنما نفس حوادث الكون والتاريخ. بل قوله أشد افتراء وكذبا.

إذا كان اعتقادنا في هؤلاء أنه لم يبق منهم مفصل إلا دخله الهوى، فنرجو أن يكون حديثنا مع من بقي فيه بعض الخير، أو بعض خوف من كلمات الله تعالى، وسنأتي على عمد احتجاجاتهم الشرعية بدءا من قوله تعالى: {لئن بسطت إلى يدك ... } الخ الآية، لنرى كيف هي في شرع الله ودينه؟.

من حجج هذا التيار البدعي استدلالهم بقوله تعالى على لسان ابن آدم: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} المائدة (68 - 69) . واحتجوا بهذه الآية على أن مذهب الفطرة في الإنسان السوي هو عدم صد من أراد إيذاءه بل كف اليد عنه، مما سيدفع الخصم المعتدي إلى ترك السلاح جانبا والاحتكام إلى العقل، ثم إثارة كوامن الخير التي ستدفعه إلى الندم وعدم البطش بخصومه، وهذا كله سيجعل العاقبة للحق والصواب، وهو الإسلام كما يعتقد هذا التتار، هذا هو خلاصة ما يريده كتاب جودت سعيد"مذهب ابن آدم الأول"وكتاب"ظاهرة المحنة"لخالص جلبي. ويزعم هذا التيار أنه عقلاني في هذا المبدأ إلى مشاشه، وأنه يحتكم في صواب هذا المنهج ليس إلى التفسير البياني (اللغوي) للقرآن، ولكن إلى الفطرة أو إلى التاريخ والواقع، وأن العقل ومقتضياته تلزم الجميع بصواب هذا المنهج وأن خلافه جهل وخرافة، ومرض عصبي، يدفع المرء ليفكر للاحتكام إلى السلاح والقوة في فض الخصومات بين أصحاب المذاهب الفكرية، سواء القابض على السلطة أو غيره من الخصوم المقهورين.

الرد على احتجاجهم بهذه الآيات القرآنية له عدة طرق، وكلها تتدافع بنفس القوة والتدليل، ولكن الغريب في هذا التيار أصوله التي يتعامل بها مع الوحيين، فالأمة قد أجمعت أن الحكم الشرعي مأخذه الكتاب والسنة، وأن هذا المصدر نزل باللغة العربية، فأصول تفسير هذا المصدر وقواعد فهمه تعود إلى قواعد وأصول هذه اللغة، وليس هناك من قواعد يحتكم إليها في ذلك سوى قواعد البيان العربي، إلا ما أحدثه أبو حامد الغزالي من إدخال قواعد علم المنطق إلى أصول الاستنباط، وقد عاب العلماء عليه، وشنعوا القول على صنيعه هذا، وكان أشدهم نكارة الإمام أبو عمرو بن الصلاح الشافعي رحمه الله تعالى، وأما قبل ذلك فإن الأمة مجمعة على تنزيل الكتاب والسنة على أصول البيان العربي، قال الإمام الشافي -رحمه الله تعالى- في كتابه العظيم"الرسالة": البيان اسم جامع لمعان متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة أنها بيان لمن خوطب بها ممن نزل القرآن بلسانه، متقاربة الاستواء عنده، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض، ومختلفة عند من يجهل لسان العرب. ا. هـ. (ص21) .

ثم شرع الإمام الشافعي رحمه الله في تفصيل أنواع البيان في الوحي، وقسمها إلى أقسام:

1 -ما أبانه لهم نصا ولا يحتاج لغيره.

2 -ما أحكم فرضه بكتابه (وأحكم هنا بمعنى أجمل أصله) وبينت السنة تفصيله -أي هيئته-.

3 -ما أتت به السنة وبينته ولم يأت به في الكتاب نص محكم.

4 -ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد.

ثم شرع في تفصيل هذه الأنواع واحدة واحدة، واستخلص منها أدلة الحكم الشرعي وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

وهذا القسم الرابع من أقسام البيان هو الذي تنكره الظاهرية، ومن جهلهم به حكموا أن مستويات البيان في الدلالة واحدة لا فرق بينها، أي بين ما يعلم نصا وما يعلم اجتهادا، واختلاف الناس في توسيع دائرة السنة وتقنين الشروط في الأخذ بها هي التي تفرق الناس بين أثريين وآرائيين، فكلما وضعت ضوابط أكثر على السنة كلما قل الأخذ بها، وبهذا تتسع دائرة الرأي، وكلما أكثرنا الأخذ بالسنة تقلصت دائرة الرأي، وقاعدة الشريعة تقوم على الاتباع وتقليل الرأي والاجتهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت