فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 257

ثمّ إني ثربت هناك ورهَّبت من أولئك القوم الذين يتضلّعون من كتب الأغيار في بنائهم لمعارفهم في طريقة التغيير وبناء الدّول.

في الجواب على هذا أقول:

أوّلًا: إني وإن اعتقدت أن الطريقة النَّبوية هي عينها الطريقة الكونيّة في إقامة الدُّول إلاّ أنّ الخطاب الشرعي لا يَثبُت إلاّ بدليلٍ شرعي، فهو كقولِ من قال إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، وقد أطلقه خيار الأئمّة في باب صفات الله تعالى، إلا أنّ صفات الله تعالى لا تثبت إلاّ بالشَّرع الصَّحيح مع أنها لا تخالف العقل الصَّريح.

ثانيًا: إنّ مهمَّة إقامة الدولة الإسلاميّة تتطلَّب إعمار الباطن بمثالٍ سابقٍ خلالَ حركته وقيامه وقعوده، وهذا المثال يجب أن يكون عبدًا صالحًا، فالواجب ضرْبُ الأمثلة بالشُّخوص المهتدين، وأنا أعتقد أنّ ما من حقٍّ يحتاجه المرء في هذه الدنيا إلاّ وفي الكتاب والسنة ما يغنيه فيه، فلماذا إبعاد النجعة (وإبعاد النجعة معناه أنّ طالب الماء حين يستطيع أن يأخذ الماء من مكان قريب فيذهب إلى المورد البعيد يكون قد شقّ على نفسه وأبعد في الطلب من غير ما ضرورة) .

ثالثًا: في كلامي السابق تنبيه مهم على نوعيَّةٍ من الدارسين لكتب الأغيار امتلأوا منها وتضلّعوا حتّى الثمالة فكانت عُمُدُ معارفهم منها، ولم يكن التاريخ الإسلامي عمومًا والسيرة النبويّة خصوصًا عندهم إلاّ غِطاءً وصبغةً ظاهرة لهذه المعارف، فقد تراهم يأخذون المعارف من الأغيار ولكنهم يُأسلمونها بعد ذلك حسب نظريّة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في مشروعه (إسلاميّة المعرفة) ، فهذا الصِّنف من الدارسين يقع في أخطاءٍ لا بدّ من التنبيه عليها.

ونحن في هذا الباب أمام صنفين من الناس:

الصنف الأول: غنوصي عرفاني (ومعناهما واحد وتعنيان من ينكر وجوب الدلائل والمقدمات من أجل الحصول على نتيجةٍ سواءً في المعرفة أو في القَدَر، فهو يُنكر الدليل ويوجب عليك أخذ النتيجة من غير مقدّمة، فإن كانت النّتيجة في القدر(الكونيات) كان جبريًا وزعم بأنّ عالم الشهادة مربوطة أحداثه بعالم الغيب (زعم) بالكليّة ولا قيمة للسنن، وإن كانت النتيجة معرفية كان باطنيًّا وزعم أنّ الإلهام والكشف والذوق دليله).

فهذا الغنوصي العرفاني يقرأ السيرة النبوية قراءة صوفية لا صلة لها بعالم الشهادة والسنن.

والصنف الثاني: انتقائي تجزيئي ومعارفه الأساسية من الأغيار، ودور السيرة عنده التدليس لا التأسيس، وهذا ما عنيته آنفًا.

أمّا إسقاط الكلام السابق على أحد من إخوَتِنا أومعارفنا تحديدًا فهو ظنٌّ لم يُصب صاحبُه فيه، فالمناقشة كانت لظاهرة وليست لفرد من الأفراد {ولكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت