وقد علم كلُّ من عاشرني وعرفني عن قرب أنّي من أشدّ النّاس (بفضل الله تعالى) تنبيهًا على أولئك الذين يخرِمون السنن الكونيّة والقدَريّة بحجّة وجود قواعد خاصّة لنا (أي أهل الإسلام) تُخالف السنن الكونيّة والقدريّة التي يجريها الله تعالى على البشر جميعًا، وبالتّالي فإنّ مِن الخطأ الشّنيع أن يظن ظان أنّ السّيرة النّبويّة لها نظام خاصٌّ وقواعد مستقلّة خارج نظام وقواعد وسنن التّغيير السّننيّ في البشر جميعًا، فهذا الزّعم هو الذي يجعل أولئك القوم يقرأون السّيرة من أجل البركة فقط من غير نظرٍ إلى أنّها هي الطّريقة الكونيّة والشّرعيّة الوحيدة لإقامة دولة الإسلام، وهذا فيه ردٌّ على أولئك الذين يجعلون الطّريقة النّبويّة طريقة خاصّة لا يعرفها إلاّ أهل الإسلام في إقامة الدّولة، وكفى بواقع أولئك دليلًا على خطأ ما وقعوا فيه من الوهم والظّن الذي حسبوه علمًا ويقينًا.
لا أشكّ أنّ كثيرًا من النّاس لن يقبلوا كلامي حتّى أملأه وأحشُوه بكلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، مثل هؤلاء القوم لست حريصًا على إقناعهم بصواب ما قلته.
الشّيخ ناصر الدّين الألباني له طريقةٌ خاصّة في إقامة الدّولة الإسلامية يسمّيها ويلقّبها بالطّريقة النّبويّة، ويُطلق عليها شعار التّصفية والتّربية.
حزب التّحرير له طريقةٌ خاصّةٌ في إقامة الدّولة الإسلاميّة يوجب على النّاس سلوكها ويسمّيها الطّريقة النّبويّة.
وكذا الإخوان المسلمون (إحسانًا للظّنّ بهم) وغيرهم الكثير، وأنا أسأل هؤلاء جميعًا سؤالًا واحدًا أقدّم له بمقدّمات مُجمع عليها (!! أو أظنّ ذلك) :
أوّلًا: المسلم المهتدي معه توفيق الله تعالى وبالتّالي هو أقرب إلى تحصيل أهدافه من الكفّار.
ثانيًا: من أسماء الشّرع عندنا: الهداية، ومعناها البصيرة في إدراك المطلوب، فبالتّالي ما هو شرعيّ أقرب إلى غيره في الوصول إلى الهدف فمُمْتَثِل الطّريقة الشّرعيّة أقرب من العاصي في إدراك المراد.
هاتان مقدّمتان (الهداية الشّرعيّة والهداية التّوفيقيّة) توجبان علينا سؤالًا هو:
إذا كان الأمر كذلك فلماذا وصل الكافر إلى هدفه وجنى المسلم ضدّ مراده؟ لماذا بنى البعثيّون دولتين وشيوخ الإسلام لم يجدوا مأوى لهم؟. مع أنّ كلّ أدوات المعركة كانت بين أيدي المسلمين ومشايخهم كما قدّمنا وكان القليل منها بيدِ أعدائهم (خلافًا لواقعنا الآن) .
أليس هذا السؤال يوجب عليّ وعلى كلّ عاقلٍ (لم يؤجّر عقله لغيره) أن يعتقد أنّ ما قاله المشايخ عن الطريقة النبويّة في إقامة الدولة الإسلاميّة خطأ على الطريقة النبويّة، وليس خطأ من الطريقة النبويّة؟.
لكن للأسف وُجد عندنا من قال أنّ هذا الطريق هو طريق الابتلاء، ومعناها عنده أنّ الشارع أعطانا طريقةً غير صحيحةٍ من أجل أن يوصلنا إلى ضدِّ أهدافنا وأهدافِهِ ابتلاءً لنا. فهذا هو معنى الابتلاء عندهم:
أن تسلك الطريق التي أمرك بها الشارع فتصل إلى ضدّ أهدافك ابتلاءً لك (وحسبنا الله ونعم الوكيل) .
هل بين ما قُلتُه هنا وبين ما قلتُه سابقًا خلاف؟! بمعنى أني قلتُ أنّ الطريقة الكونيّة التي يسلكها عقلاء البشر في بناء دَولتهم هي عينها الطريقة النبويّة في إقامة الدولة الإسلاميّة، لأنّ الدَّولة شيءٌ وجوديٌّ كونيٌّ واسمها يُطلق على شيء واحد عند البشر جميعًا ولكن المضاف إلى هذه الدولة هي الأحكام والقِيَم التي تحكم بها هذه الدولة، فهذه دولة إسلاميّة لأنها تحكم بالإسلام وقِيَمُها مستمدّة من الإسلام، وهذه دولة شيوعيّة لأنها تحكم بالقيم الشيوعية، وهذه دولة بعثية لأنها تحكم بقيم حزب البعث، ولكن اسم الدولة مشترك بينها جميعًا وهو يُطلق على شيءٍ وجودي واحد، والشيء الوجودي (السنة القدريّة) شيء جامع للبشر جميعًا بغضِّ النظر عن دينه وقيمه.