فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 257

المنظومة الديمقراطية على اختلاف صورها تقوم على إسناد حق السيادة لغير الله، وهذه المنظومة منبعثة من العقيدة العلمانية التي ترى أن الناس أحرار في إصدار التشريعات التي يرونها تناسب عقولهم ومعطيات حياتهم، وقد أفرزت العلمانية في الدول المرتدة في بلادنا قانونا أوجب سلوك هذا الطريق، فالشق السياسي من العقيدة العلمانية يفرض اعتقاد وسلوك المنهج الديمقراطي الذي يرى إسناد حق السيادة للشعب، ومعنى السيادة في المفهوم الديمقراطي هو نفس معنى السيادة في الدين الإسلامي، حيث يقول دهاقنة القانون الوضعي إن السيادة: سلطة عليا مطلقة (لا سلطة فوقها) لها الحق في تقييم الأشياء والأفعال، وتقييم الأشياء بتحسينها وتقبيحها وتقييم الأفعال بتحليلها وتحريمها.

والمنظومة العلمانية هي التي أعطت البرلمان حق إصدار التشريعات، فأركان الحكم الديمقراطي هي نفس أركان الحكم الشرعي أي الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه ونفس الحكم. والحاكم هو السلطة التي فوضها الشعب (كونه الحاكم الأصلي) في إصدار القوانين، فحين يصدر قانون من البرلمان أو مجلس النواب أو مجلس الشعب فإنه يكسب قوته بكونه صادرا من السيد الحاكم، فهو حاكم شعبي برلماني ديمقراطي علماني، أي هو في دين الله تعالى حكم شركي طاغوتي.

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن الأحكام الصادرة من البرلمان قد اكتسبت قوتها من طرفين في البرلمان وليس من طرف واحد، هذان الطرفان هما الأغلبية والمعارضة، فالمعارضة وإن عارضت القانون قبل صدوره إلا أنها ملزمة به بعد إقراره بالأغلبية، وهي قد أكسبت القانون قوة بكونها جزء في البرلمان المشرع، فعلاقة الأعضاء في البرلمان (أغلبية ومعارضة) علاقة تضامنية، فلولا وجود المعارضة لما اكتسب القانون قوته في المفهوم الديمقراطي، فالإسلاميون وإن زعموا المعارضة في البرلمان فهم جزء من المشرع، والقانون يصدر باسمهم كما يصدر باسم الأغلبية المؤيدة، وهم شركاء في إصدار القرار وإكسابه القوة الدستورية ليكون شرعيا دستوريا قانونيا، صادرا من الشعب صاحب السيادة، فلو صدر قانون إباحة الخمر للناس فالإسلاميون -المعارضة- وغيرهم هم أصدروا هذا القانون كما أصدره الأغلبية الموافقة لأن علاقة القانون بهم واحدة بعد صدور القانون وإن اختلفت مواقفهما قبل إقرار القانون.

ولو صدر قانون حرمة الخمر للناس فلا يجوز أن يقال إن الحكومة قد قررت تطبيق الحكم الشرعي، لفقده التكييف الشرعي كما قدمنا.

العلمانيون يفهمون هذه المعادلة، فهل حقا يجهلها المسلمون الديمقراطيون؟.

إبعاد الحكم الشرعي في الحكم والقضاء مر في مراحل متعددة، ولا نستطيع هنا أن نحيط بها إحاطة تامة ولكن الملاحظ بوضوح القضية التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت