فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 257

لماذا يُردٌّ النّص من قبل(الآرائي)؟:

أسباب الإعراض عن النّص من قبل المفكّر أو الفقيه عديدة (ونحن هنا نتكلّم عن الإسلاميين) أهمها:

1 -ظنّ المفكّر أو الفقيه أنّ النّص يخالف العقل، أو بعبارة بعض الفقهاء: هذا نصّ على خلاف القياس، وبعبارة أهل الكلام: تعارض العقل مع النّقل.

وقائلوا هذه العبارات يقعون في هذه الأخطاء الفاحشة لعدّة أسباب منها:

أن هؤلاء المفكّرين قد يغلب على ظنّهم صواب بعض القواعد العقلية الوافدة، ويجعلونها يقينيّة، فيلتفتون إلى النّصّ الشّرعي فيرونه مخالفًا، فينشأ لديهم هذا التصوّر الفاسد.

ومن أسباب هذه الأخطاء كذلك: عدم قدرة هؤلاء المفكّرين على التّمييز بين النّصّ الثابت والنّص الضّعيف، فيصبّون جام غضبهم على النّص الضعيف، وبه يتّهمون النّص بمخالفة العقل أو القياس.

2 -ظنّ المفكّر أو الفقيه تحقيق المصلحة بعيدًا عن النّص:

وهؤلاء لمّا رأوا مجموع النّصوص داعية إلى اعتبار المقاصد والمآلات، ظنّوا أن تحقيق المآلات هي إصدار الحكم الشّرعي، ونكتفي هنا بإيراد المقصود الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا ضرر ولا ضرار ) ).

اعلم أخي في الله أنّه لا يوجد حكم شرعي ثبت في الكتاب والسّنة إلا وهو بذاته يحقّق المصلحة للعباد في الحال والمآل، ثم اعلم أن المصالح تتعارض فلا بدّ من تقديم الأقوى على الأضعف، ولهذا لا يمكن معرفته عند تفاوت العقول إلاّ بالنّص، ثمّ اعلم أنّ المصلحة لا يمكن تحقّق حدوثها ومآلها إلاّ بالوعد المحمول داخل النّص.

هذه الأمور وغيرها الكثير ترشدك: أنّ العصمة للنّص وهي القادرة على معرفة الضّرر والضّرار، والعقل تتفاوت مراتبه وتقديراته فالإحالة عليه إحالة على غير ثابت.

3 -ظنّ المفكّر أو الفقيه عدم كفاية الثّبوت في ذات النّص كقول بعضهم: حديث الآحاد لا يفيد العلم، وهذا قول أهل الكلام. والتّفريق بين القطعيّ والظّنّي على هذه الصّور المعروضة حادثة لا تعرف عند الأوائل، وهي من إفرازات أهل الرّأي والكلام.

هذه الأسباب الظّاهرة (العقلية) التي يطرحها صاحب الرّأي لردّ النصّ المعصوم كافية عند أهل السنّة والجماعة لاعتبار الرّجل متأولًا مع أنّه مخطئ ولا شكّ.

لكن ماذا عن الأمور الباطنية؟ التي تدفع المفكّر أو الفقيه لردّ النّص المعصوم؟.

هناك أسباب نفسية عدّة تدفع المفكّر لهذا المسلك البدعي أهمّها:

أ- عدم الخلوص من أهواء النّفوس، لأنّ العبوديّة لله تعالى تعني تجرّد العبد من جميع أهوائه، وأعظم الأهواء في هذا الباب هو أن يعتبر الإنسان أنّ له قولًا ورأيًا، وأنّه صاحب شخصيّة معتبرة، ينسب لها القول، ويشار إليها بالاعتبار والتقدير.

ب- محاولة تليين الإسلام وليّه ليوافق رغبة الإنسان وهواه، أو ليوافق الواقع، وهذا نراه في أغلب آرائيّة زماننا، فإنّهم لهزيمتهم النّفسيّة أمام استعلاء الكفر واستكباره في هذا الزّمان يعمدون إلى ليّ أعناق النّصوص لتوافق رغبات النّاس وأهوائهم، والشّيخ المصري محمّد الغزالي خير دليل على ذلك، وخاصّة كتابه"السنّة النّبويّة بين أهل الفقه وأهل الحديث"، فقد رأينا هذا الأزهري يشرح لقرّائه عجزه عن تقديم الحكم الشّرعي المستمدّ من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (( لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ) ).

فهو يقول: كيف نستطيع أن نقدّم الإسلام ومنه هذا الحديث لأهل بريطانيا مثلًا وقد استطاعوا أن يحقّقوا بعض مطامحهم، برئاسة"مارجريت تاتشر"؟!.

فالنّتيجة عند هذا الشّيخ وأمثاله هي أن نضع أيدينا على هذا الحديث خجلًا منه (كما فعلت يهود بآيات الرّجم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذلك من أجل أصحاب العيون الزرق من الإنجليز وغيرهم.

إن هذه الانهزامية في تقديم الإسلام الحقّ كما أراده الله لنا، سبب رئيسي تدفع هؤلاء القوم إلى الإعراض عن بعض النّصوص النّبوية، ودفع النّصوص له طرق كثيرة عند هؤلاء الآرائيين.

4 -عظم التكاليف الشّرعيّة، وكونها فتنة للنّاس، وعدم تحمل المرء على ترك عوائده، فرغباته النّفسية تدفعه إلى البحث عن المخرج من هذه التّكاليف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت