من القواعد العجيبة التي يستخدمها الآرائيون للتلعب بالشريعة والقول عليها ما ليس فيها رضوخا لضغط العلمانيين قاعدة:"كل مجتهد مصيب"وعدم حسم القضايا التي دخلت على دين الله تعالى من قبل المتكلمين، مما جعل للعلمانيين سبيلا للتلعب بدين الله تعالى، ووجود ثغرات لهم لنفي أصلها ورد حقيقتها.
مما يعلمه كل دارس لهذه الشريعة - أصولا وفروعا - أن الزمن قد أخذ حظه منها، وأن الكثير من المحاولات للدخول في تأويلها نجحت وأثمرت، بل واستقرت في داخلها، إلى درجة التمثيل والاستحقاق، أي صارت هذه التأويلات في نظر الناس هي الحقيقة الوحيدة لهذه الشريعة، مع غياب المفهوم الأول الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم منها، وهو المفهوم الصحيح لهذا التنزيل الحق (( خير الناس قرني ) )وقد قامت خلال هذا الزمن محاولات جهادية مضنية لتحقيق التأويل الحقيقي لهذا الدين، ونفي هذا التزوير، وقد آتت ثمارها لكنها موضعية، أي بقي المد الأقوى للتأويل الفاسد الدخيل، فكانت محاولة ابن تيمية رحمه الله تعالى ثم تلاميذه ثم تلاميذهم، ثم محاولة محمد بن عبد الوهاب وما أثمرت في العالم الإسلامي، لكن كما قلنا بقي التجديد موضعيا محصورا.
الخليط الذي قاله بعض القادة الأوائل -صوفية سلفية- وما هو جار مجراها فتح باب التلفيق وعدم حسم القضايا، وبالتالي باب التميع والجمع بين المتناقضات في الشخصية الواحدة، سواء كانت هذه الشخصية حقيقية أم اعتبارية، تبدأ النظرية بأن كل المعروض حق، وهو فقه إسلامي، أي جائز الأخذ به، وليس هذا القول بأولى من الآخر قبولا أو ردا، وبالتالي علينا التخير بما يلائم واقعنا وحياتنا، أو بما يقدر أن يعيننا في مناظرتتا وحجاجنا لخصوم الإسلام، وأنا هنا لا أتكلم فقط عن الفروع ولكن القضية الأولى والأبرز في هذا الموضوع هي القاعدة التي يعتمد عليها هؤلاء الآرائيون وهي أن الشريعة كانت لينة في استجابتها للتغيير بسبب دخول علل جديدة على حياة الناس وأفكارهم.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه"السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي"في استجابته للخصومة بينه وبين السلفيين اضطر البوطي أن يبرر بدعة العقيدة على يد الأوائل، وأن يجعل البدع التي قاتلها السلف ونفروا الناس منها ما هي إلا الحقيقة الأولى عند الصحابة، وإنما تطورت استجابة للواقع ولرد الشبه التي أحدثها المولدون (المسلمون الجدد) ، أي أن مذهب الخلف هو مذهب السلف (لا يزيد ولا ينقص) ولكن تطور ليوافق الواقع المعيش.
ومع أن البوطي يستدل بالكوني المتغير والمتطور (والصحيح المكتشف والمستثمر) على الشرعي (وهذا منتهى الفجاجة والجهالة) إلا أنه في النهاية يفتح هذا الباب (مع إخوانه) على جواز تطور الشريعة لتوافق الظروف الجديدة.