فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 257

كثيرة هي المرات التي يتخلف الناس فيها عن الحق بسبب الهوى وشدة تكاليف الثبات على الطريق، ولكن قليل هي الحالات التي يعترف فيها هذا المتخلف بهذا السبب، فإن المتخلفين لابد لهم من ستر هذا الهوى وهذا الضعف بصور من التبريرات التي يحاولون بها إقناع الناس أن تخلفهم له من الأسباب المقنعة والموضوعية، فأول ما يفعلونه أنهم يذهبون إلى الحق لشتمه وتزوير حقيقته، أو لتعظيم بعض الجوانب السلبية على الحقيقة الظاهرة، والقرآن الكريم كشف لنا هذه الأساليب خير كشف، وعراها لنا لنكون على بصيرة ونور من هذه المكائد النفسية، وليعلمنا أن محاولاتهم هذه مكشوفة غير مستورة، وأنها وإن تقنعت بقناع حاجب، فهو في الحقيقة قناع زائف يشف ما تحته، ويبين ماوراءه لمن تمعن فيه ولم تغره الصور الظاهرة.

في قوله تعالى عن المنافقين في أول سورة نقرؤها فيها ذكرهم: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} .

هذه الآية عظيمة في كشف النفاق والمنافقين، وطريقتهم في التنفير من الحق، وهي كلما سمعتها أو قرأتها تمثل لي أولئك القوم الذين مروا على مدار التاريخ الإسلامي وإلى يومنا هذا في ادعاء الفهم الثاقب، والعقل السديد، والإدراك العظيم للقضايا التي تطرح أو تعالج، وهم مع هذه الدعوى ينبزون الأثريين والسلفيين بضيق الأفق، وقلة المعرفة، وسذاجة الفهم، وبسبب هذا ينفرون عن الحق بسبب سهولته، ويتعاظمون نفاقا عن الحق بسبب أنه حق عملي له تأثيره على الواقع.

في التاريخ وجد الفلاسفة الذين يحللون الخبر ولا يصنعونه، ويدرسون التاريخ وهم خارج حركته، ولهذا قلما ما نجد فيلسوفا استطاع أن يكون قائدا عسكريا، أو إداريا ناجحا أو سياسيا خبيرا، حتى صار في عرف الدارسين قولهم: الفيلسوف لا يصلح للسياسة، وكذا لا يصلح للقيادة فنشأت ثنائية الفيلسوف والقائد، والفيلسوف والإداري، والفيلسوف والسياسي.

والسبب كما هو واضح أن الفيلسوف يعيش أوهام عقله، ويحلق بأجنحة الفكر فوق السحاب، ولا يتقن السير على طريقة البشر فوق الأرض.

هذه ثنائية توجد في عالم البشر والناس، وكم شكى القادة العسكريون وكذا السياسيون من أوهام الفلاسفة والمفكرين.

في العالم الإسلامي تاريخا وحاضرا:

القرآن سماهم منافقين وقال لهم: (آمنوا كما آمن الناس، وانظر إلى قوله تعالى:(الناس) ، هو الإيمان على صورة واحدة وحقيقة واحدة يعيها الناس جميعا بفطرهم على حقيقة واحدة دون تفاوت في أصلها، يا قوم آمنوا كما آمن الناس، فهذا هو الذي أرتضيه منكم، وهذا هو أمري لكم، فلا تغالوا، ولا تتقعروا، ولا تتعمقوا تعمقا ممقوتا، آمنوا كما آمن بلال، وكما آمن ياسر، وكما آمن البدوي والحضري، فإن سألتم ما الإيمان وما تعريفه وما حده، قال لكم ابتداء: هو شيء تعرفونه في أنفسكم فلماذا تسترونه، وهو شيء يلفح قلوبكم بحرارته فلماذا لا تعترفون به؟.

وأنت أمام هذا تتذكر أمر الله تعالى لليهود: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

فالمؤمن لا يتقعر، ولا يداري ليستر الحقيقة، ولا ينشغل بالحد عن المحدود، أي باللفظ عن الحقيقة، ولا بالاسم عن المسمى، بل هو يفهم من القول أن يتحرك ليذبح بقرة، أما كون لفظ الذبح له معنى خاص ووقع خاص وله شواهد في لغة الشعراء، فهذا لا يفكر فيه ابتداء، بل يستقر في قلبه إرادة الحركة لتحقيق الفعل: أن يذبح بقرة. هكذا يتلقى المؤمن أمر الله تعالى، يتلقاه ليعمل به، فإذا عمل به شعر بحلاوة الإيمان في قلبه، وازداد ألق العلم في نفسه، وفتح الله عليه المعارف التي تؤيد صلته بالله تعالى.

أما اليهود، من أهل السفسطة والجهالة، فكان وقع الأمر عليهم على صورة أخرى:

هذا أمر جميل، لكن لا بد أن نوقعه على طريقة لا تتلاءم مع ما يفهمه (الناس) ، فالساذجون هم فقط من يفهم البقرة أنها البقرة، فهل كل بقرة تصلح لأن تقدم لتنفيذ أمر الله، فتعالوا إذن نسأل عن البقرة؟.

كان شان اليهود يوم ذاك أنهم يعيشون وبين يديهم نبي يوحى إليه، فصاروا يراوغون ويحاورون حول صفة البقرة، لكن لنتخيل أمر أولئك اليهود في زمن لا يوجد فيه نبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت