العلاقة بين فكر الشّخص ومعتقده وبين نفسيّته علاقة حميمة وقويّة ولو بالغنا لقلنا إنّها علاقة تلازم ولكنّها قطعًا غير مطلقةٍ فقد يقع التّخلّف لوجود بعض العوارض والتي تشكِّل هيكلَ الإنسان العمَليِّ والنَّفسيِّ والعلميِّ والعاطفيِّ وغيرها من أفرادِ إنسانيَّته، وبالتّالي فإنَّ عمليّة رفع مستوى نفسيّة المرء إلى مستوى معيّن لا بدّ أن يسبقها أو يكون معها رفع المستوى العلميِّ سواء بتصحيح الأفكار والمعتقدات أو بتنشيطها وتذكيرها إن أصابها النّسيان والغفلة، فهذه العمليّة المزدوجة هي التي يصحّ أن يُطلق عليها عمليّة التّربية، فالتّربية ليست صياغة لطرفٍ في الإنسان دون طرفٍ آخر، فإن وقعت فإنّ الحركة لن تدوم في الوصول إلى مبتغاها.
فمثلًا لو أنّك اتّبعت مع جماعة من الأشخاص أسلوب"التّوريط"- وهو لفظٌ لا أدري مدى صحّته لكن يُطلق من قِبَل أصحابه على طريقة معيّنة في الممارسة، ويعني أن يقوم مجموعة من النّاس بصنع جوٍّ من البيئة المعيّنة رغم أنف مجموعة أخرى من أجل إجبارهم على الدّخول في اختيار وحيد تريده المجموعة المورِّطة للمجموعة المورَّطة - فإنّه وإن تورّطَتْ هذه الجماعة فإنّها لن تداوم على الفعل إلى نهايته وإلى آخر الشّوط وبالتّالي لن يتحقّق المراد من هذا التَّوريط.
لقد حاول الشيخ مروان حديد رحمه الله تعالى أن يورِّط الإخوان المسلمين في الجهاد في سوريا، لأنَّه حاول جاهدًا أن يُقنِعهم بالجهاد فكانوا يأبَون عليه ويرفضون رأيه فقرَّر توريط الإخوان المسلمين في الجهاد وأطلق كلمته:"لو طَرَدَنا الإخوان المسلمون من الباب سنرجع لهم من النافذة"، ولذلك قام هو ومجموعةٌ معه بأحداث جهادية فرَضَت معركةً بين النظام النصيري البعثي الكافر وبين المسلمين عمومًا وعلى رأسهم الإخوان المسلمين في سوريا، وبالفعل وُرِّطَ الإخوان المسلمون في المعركة ودخلوا فيها من باب - مكره أخاك لا بطل - بل لقد واصل عدنان عقلة هذا الأسلوب وسار عليه حيث أطلق على مجموعته"الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين"ولاختيار هذا الاسم أسباب كثيرة منها محاولته توريط الإخوان المسلمين في هذه المعركة. فكان ماذا بعد ذلك؟!.
ارتفعت أصوات الجهاد من قبل القواعد وهذه استجابة فطريةٌ صحيحة للجهاد في سبيل الله تعالى، لأن العوام بفطرهم الصحيحة هم مادَّة الجهاد على الدوام ولكنَّهم يحتاجون إلى من يُحسِنُ إعطاءهم الدين الصحيح لا أن يسلك بهم سبل أهل البدعة، وهذه نقطة مهمة وضرورية ? أعني قاعدة اعتبار العوام أصحاب الفطر السليمة هم مادة الجهاد في سبيل الله تعالى ? وهذه بفضل الله تعالى هي إحدى الفوارق بين جماعات الجهاد السلفية وبين جماعات التكفير، فإننا نعتبر أن الأصل في أمتنا هو الإسلام ما لم يأت الرَّجل بمكفِّر صريحٍ مكتَمِل الشُّروط وانتفت عنه الموانع، ولكن جماعات الغلوِّ والتكفير وكذا جماعات التوقُّف والتبيُّن على غير هذا الهديِ السنِّي فإنهم يعتبرون أن الأصل في أمتنا الكفر أو عدم اعتبارهم شيئًا والتوقُّف في حكمهم حتى يتبين -ولذلك هم يعتبرونهم مادَّة للدَّعوة إلى أصل الدين- أي من أجل إسلامهم، وأما جماعات الجهاد السلفية فإنها تعتبرهم مسلمون وهم مادّة التعليم ومادَّة الجهاد في سبيل الله، وهذا بخلاف الذين سُلِّكوا وأقصد بلفظ التسليك هنا من مورست عليه طريقةٌ مبتدعةٌ صرفتهُ عن فطرته السليمة، فالإنسان المسلم العامِّي تستجيب فطرته استجابةً فورية للأعمال الصالحة، فبمجرَّد أن يسمع هيعة للجهاد فإنه إن لم يستجب لها عملًا فإنه يفرح لها وتطرب نفسه لخبَرها فيدعو الله تعالى أن يوفِّق أصحابها لهذا العمل، وهذا رآه من عايشه في كلِّ عملٍ جهاديٍّ فإن النساء في خدورهنَّ وكذا العجائز يلهجن بالدعاء للمجاهدين، خلافًا للمُسلكين سواء كانوا من الإخوان المسلمين أو من السلفيَّة المزعومة أو من أصحاب الطُّرق والمذاهب البدعية من أتباع جماعات الفكر العرفاني الصوفي المعاصر المتطور، فإنهم بسبب فساد فِطَرهم ومرض أفكارهم يستنكرون هذه الأعمال، ولكنهم قد يضطرون للمسايرة حينًا أو السُّكوت حينًا مخافة سبِّهم وشتمهم، ولكنَّهم يؤخِّرون قَيح أفكارهم إلى فرصةٍ سانحةٍ لفتنة تقع أو مشكلةٍ تهب برياحها على الجهاد.