فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 257

قال صلى الله عليه وسلم: (( إنكم تختصمون لدي ولعل بعضكم ألحن بحجته من غيره فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من النار ) ).

اعلم يا عبد الله أن مبنى أعمال البشر وأفعالهم قائمة على الظن وغلبته، وليست على اليقين والقطع، لأن أعمالهم قائمة على الاجتهاد، والاجتهاد كما هو معروف في كتب الأصول لا يفيد إلا الظن، وقد تعبدنا الله تعالى بالاجتهاد -كما قال الشافعي- مع أنه غير مأمون الخطأ، ومن معوقات الطريق عند حسني النية وطيبي القلب أنهم يتركون الأعمال مخافة الخطأ، وهذا منتهى السلبية والعجز، فها أنت ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم بين احتمال وقوع الخطأ لعارض من العوارض، ولكن هذا لم يمنعه من القضاء وفض الخصومات بحسب الظاهر والاجتهاد، بل إنه صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمور ثم ثبت أنها على خلاف الصواب كما اجتهد في أسارى بدر من المشركين ثم نزل العتاب الإلهي {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} (الأنفال) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لو عذبنا في هذا الأمر ما نجا غيرك يا عمر ) (الطبري في تفسيره وهو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى) والجهاد عمل من أعمال الإنسان المسلم، فهو يقارب ويسدد ويبغي وجه الله تعالى، ويجتهد بحسب وسعه في إصابة الحق، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، لأن التكليف لا يقع إلا بالظن الغالب كما قال أهل الأصول، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله تعالى قوله: في كل واقعة ظاهر وإحاطة، ونحن ما كلفنا بالإحاطة. (المحصول 6/ 34) فمن هذا الذي يستطيع أن يحيط بالأمر من جميع جوانبه؟!! ويعلم أصله وفصله ومآله؟!! ولذلك يكفي المسلم أن يعمل بالظاهر، والظاهر يتوصل إليه بالنظر في الأمارة، والأمارة قد يدخلها العطب والتشويش أو التعظيم والتحسين (ألحن بحجته) ، ولكن هذا (القيد) المحتمل لا يمنع العامل من العمل وإلا لبطلت الشريعة وتعطلت الحدود، وترك الناس دينهم وأعمالهم.

ثم اعلم أن الكثير من الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن لا على اليقين، لأن مبناها على السنة، وثبوت السنة يتم باطمئنان المسلم لثبوت هذا الحديث عن طريق صدق راويه وضبطه، وهي أمور نسبية لا قطعية، فثبت أن فروع الشريعة ثبتت بغلبة الظن، وتصحيح المسلم عمله يكون بغلبة الظن، وقد عاب أهل العلم طلب اليقين في موطن الظن، واعتبروا أن هذا الفعل من أسباب هلاك الدين وفرط عقد الشريعة، وترك مهمات الأمور، قال الجويني في الغياثي، وهو يتكلم في باب"الإمامة"و"السياسة": معظم مسائل الإمامة عرية من مسالك القطع، خلية عن مدارك اليقين. (فقرة96) ويقول: كل ما لم يصادف فيه إجماعا اعتقدناه واقعة من أحكام الشرع، عرضناه على مسالك الظنون وعرضناه على سائر الوقائع، وليست الإمامة من قواعد العقائد (أي التي تتطلب اليقين) بل هي ولاية عامة، وعبارة معظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في محل التوخي والتحري. (فقرة72) ونفسها في (فقرة 221) ، حيث يقول:"والذي يجب الاعتناء به تمييز المقطوع به عن المظنون، ومستند القطع الإجماع، فما اتفق ذلك فيه تعين في الاتباع، وما لم يصادف فيه إجماعا عرضناه على مسالك النظر، وأعملنا فيه طرف المقاييس وأدرنا فيه سبل الاجتهاد"، بل إن الجويني يعتبر أن الفقه هو التدرب على مآخذ الظنون وإدارتها حتى يتبين لك الترجيح.

يقول:"أهم المطالب في الفقه التدرب على مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة"، والجويني يعلق سلاك الأمة وتجنبها منهج الاقتصاد بذلك: والسبب الظاهر في ذلك، أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في مجال الظن، ويخرجون عقدهم باتباع الهوى، ويتهاوون بالغلو على موارد الردى، ويمرحون في تعاليل النفوس والمنى. (فقرة69) نعم والله إن هؤلاء القوم يمرحون في تعاليل النفوس والمنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت